مفاوضات ماكدونالد الأمريكي والسجاد الإيراني

 

د. أحمد بن علي العمري

عندما نقول ماكدونالد أو الوجبات السريعة الأمريكية وقد انتشرت عالميًا فهذا يعني العجلة والتسرع والاندفاع؛ إذ إن تقديم الطلب لا تتجاوز مدته كلها 20 دقيقة، ولكن في المقابل عندما نقول السجاد الإيراني فهذا يعني الصبر والتروي والنفس الطويل؛ فغزل السجاد ونسجه قد يأخذ شهورًا وربما سنوات، وهذا ما يمكن تطبيقه على المفاوضات الأمريكية الإيرانية الدائرة والتي شغلت العالم بأسره لترابط المصالح.

فقد تم الاتفاق بين إيران والدول الغربية المعروف بخمسة زائد واحد في عهد أوباما، ليأتي ترامب في فترته الأولى وبجرة قلم ليلغي الاتفاق برمته، وبعده أتى بايدن ولم يحرك في الأمر ساكنًا، وفي هذه الفترة أخذت إيران حريتها وربما حقها بعدما انحلّت من الالتزام وواصلت تخصيب اليورانيوم إلى 60 بالمائة، وربما لو أرادت وسمح لها تشريعها لوصلت إلى القنبلة النووية لأنها عملت بدون قيود…. ليعود ترامب في فترته الثانية ويطلب التفاوض مع إيران، وقد بدأت المفاوضات بوساطة سلطنة عُمان كطرف محايد تمامًا، وعندما كادت النقاشات أن تستوي وتتفق وجهات النظر فاجأ ترامب ونتنياهو العالم بتوجيه الضربات لإيران، وهي الحرب التي تسمى حرب الـ12 يومًا في يونيو من العام الماضي. بعدها رجعت أمريكا للتفاوض مع إيران وبالوساطة العُمانية ذاتها، وحينما وصلت لأمتارها الأخيرة وعلى بعد خطوات قليلة من الاتفاق عاد ترامب ونتنياهو من جديد ليقلبا الطاولة وليضربا إيران في حرب استمرت 39 يومًا.

لتبدأ بعدها مفاوضات جديدة وهذه المرة بوساطة باكستانية، وكان الأمور بدأت في التوجه نحو الاتفاق وفي المسار السوي. وبعد ما جمعت باكستان بعد جهود مضنية الطرفين في لقاء مباشر في إسلام أباد برئاسة نائب الرئيس الأمريكي ورئيس البرلمان الإيراني وتفاءل الجميع خيرًا وتأملوا التوقيع على الاتفاق، إذ بالوفد الأمريكي يغادر فجأة وفي منتصف الليل… لتعود باكستان مشكورة إلى لملمة الأوراق وتقريب وجهات النظر لتقترح هذه المرة إبرام اتفاق مبدئي توقف الحرب على أثره لمدة 60 يومًا يتفاوض خلالها الطرفان على التفاصيل، وقد بدأت هنا بوادر الانفراج ووافق الطرفان مبدئيًا، وقد ذهب وفد برئاسة رئيس البرلمان الإيراني إلى الدوحة ومعهم رئيس البنك المركزي الإيراني لاستلام دفعة من الأموال الإيرانية المحجوزة، ليأتي توجيه ترامب المفاجئ بتوقيف تسليم الأموال بعدما تذمر العديد من الجمهوريين من الداخل وبعض الأقاويل.

وبعدها يعلن الرئيس ترامب أنه سيجتمع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض وسيتخذ قرارًا مهمًا بالتصديق على الاتفاق ويعلن في ذات الوقت رفع الحصار الأمريكي على إيران فورًا، واستمر الاجتماع ما يقارب الساعتين ليخرج ترامب وتعلن وسائله الإعلامية أنه لم يتخذ قرارًا بعد، ويتفاجأ الجميع في اليوم التالي أن الحصار لم يُرفع عن إيران بعد.

إن أمريكا في وضع حرج فقد ارتفعت أسعار الطاقة والأسمدة، كما أنها مقبلة على كأس العالم بعد أيام وهناك انتخابات نصفية مهمة في الانتظار، ومن صالحها الاتفاق كما هو في صالح إيران والمنطقة وحتى العالم أجمع.

إن من ضمن الاتفاق أن يتوقف الحرب على جميع الجبهات، بينما نرى إسرائيل تسارع الزمن للتوغل؛ بل غزو واحتلال لبنان، وقد سيطرت مؤخرًا على قلعة الشقيف الأثرية والتلال المجاورة لها، وهو موقع استراتيجي بامتياز متجاوزة نهر الليطاني في حادثة لم تحصل منذ 26 عامًا، ولم تنصاع لاتفاق وقف إطلاق النار منذ 2024 ولا إلى 45 يومًا التي وجه بها ترامب، وتمردت على كل الاتفاقيات والقوانين الدولية ولا أحد يستنكر عليها ذلك وكأن العالم يتواطأ معها.

وإذا كان هنا من كلمة تُذكر فإننا نقول على اللبنانيين الاتفاق حكومة ومقاومة وترحيل ونبذ الخلافات البينية إلى مرحلة لاحقة، لأن الوضع لا يستحمل؛ فالبلد في حالة حرب شرسة، وليأخذوا عبرة من جيرانهم الفلسطينيين، فلقد بقيت السلطة في منأى عن حرب غزة، وكل مرة تعلن أنها على استعداد لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، وفي الأخير تم تهميشها تمامًا وقضم أراضيها وتدمير غزة.

فأرجو ثم أرجو وأدعو الله أن لا يتكرر ذات السيناريو في لبنان العزيز.

والآن… إنه من صالح أمريكا وإيران أن يتفقا، فلا أحد يرغب في الحرب كما أن المنطقة لا ذنب لها في الذي حصل فيها.

وعندما يقول ترامب مؤخرًا إنني لست مستعجلًا، فهو بدأ يفهم ويتعامل مع الإيرانيين بمفاوضات السجاد الإيراني، وربما عرف قواعد اللعبة الإيرانية، فلا تصريحات مستعجلة ولا وعود ولا قرار محسوم، وهذا هو بالضبط النهج الإيراني الذي صبر على الحصار 47 عامًا، ورب ضارة نافعة فقد جعله هذا الحصار الطويل يعتمد على نفسه في غذائه ودوائه وسلاحه.

وندعو الله الأمن والاستقرار والسلام لمنطقتنا ولكل العالم.

والله يهدي الجميع.

الأكثر قراءة

z