سهل صلالة الزراعي.. بين الإسمنت والنارجيل

 

 

 

 

خالد بن أحمد العامري

bnmuqbil@yahoo.com

 

يُشكِّل سهل صلالة الزراعي أحد أبرز المكونات البيئية والعمرانية التي صنعت هوية المدينة ورسّخت مكانتها كوجهة سياحية وزراعية فريدة في المنطقة؛ فمن الدهاريز شرقًا إلى عوقد غربًا، مرورًا بمزارع القرض والحصيلة والبليد والحافة، تشكلت منظومة زراعية متكاملة تتداخل فيها المزارع مع النسيج الحضري في نموذج نادر يجمع بين الطبيعة والعمران والإنتاج الزراعي.

وقد أسهمت هذه المزارع، بما تحتويه من أشجار النارجيل والفافاي والموز وغيرها من المحاصيل الزراعية، في تشكيل مشهد بصري وبيئي مُتفرد، لم يعد مجرد عنصر جمالي، بل أصبح ركيزة من ركائز الجذب السياحي والهوية المحلية لمحافظة ظفار. كما أن دورها البيئي في تلطيف المناخ والحفاظ على التنوع الحيوي يعزز من قيمتها كأصل تنموي طويل الأمد.

ولا تقف أهمية سهل صلالة الزراعي، عند البُعد البيئي والزراعي، بل تمتد إلى بعد تراثي واجتماعي متجذر في الذاكرة المحلية؛ حيث ارتبطت المزارع بأسماء الآبار والغوارف التي تشكل سجلًا حيًا لتاريخ السهل الزراعي وحركة الإنتاج التقليدي عبر الأجيال.

غير أنَّ هذه المنظومة تواجه خلال السنوات الأخيرة تحديات متصاعدة، أبرزها التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، وتحويل بعض المزارع إلى استخدامات سكنية وتجارية، بما أدى إلى تراجع تدريجي في المساحات الخضراء التي تشكلت عبر عقود طويلة ولا يمكن تعويضها بسهولة.

كما برزت إشكالات تتعلق بالاعتداء على المشاعات والطرق الزراعية وضمها لحدود المزارع. فالمشاعات والطرق الزراعية لم تكن مجرد ممرات بين المزارع، بل شكلت جزءًا من البنية التنظيمية والتاريخية للسهل الزراعي.

إلى جانب ذلك، شهد القطاع الزراعي تحولًا في نمط إدارة المزارع، حيث أدى ضعف قنوات التسويق والدعم إلى عزوف بعض المزارعين عن إدارة مزارعهم، واتجاههم نحو وظائف أخرى أو تأجير مزارعهم للعمالة الوافدة. وقد ترتب على ذلك توسع دور العمالة الوافدة في إدارة عدد من المزارع، مما أفرز تحديات تتصل بكفاءة الاستخدام الزراعي للموارد، خصوصًا المياه، والالتزام بالمعايير الصحية المتعلقة باستخدام المبيدات، وهو ما يثير اعتبارات تتعلق بسلامة الإنتاج الزراعي.

وفي هذا السياق، يصبح تعزيز الأمن الغذائي مرتبطًا بشكل مباشر بإعادة تمكين المُزارِع، عبر سياسات دعم واضحة تشمل الحوافز الإنتاجية، وتحسين قنوات التسويق، وتوفير خدمات إرشادية وتقنية، بما يعيد ربط المزارع بأرضه ويجعل من النشاط الزراعي خيارًا اقتصاديًا مجديًا ومستدامًا.

وبناءً على ذلك، يبرز مقترح يتمثل في تبني مقاربة مؤسسية شاملة لإدارة سهل صلالة الزراعي، تقوم على تشكيل لجنة لتطوير البنية التحتية للمزارع، من الجهات ذات العلاقة والاختصاص، إلى جانب عدد من المزارعين وأصحاب الخبرة والاختصاص.

ويمكن لهذه اللجنة أن تتولى إعداد رؤية استراتيجية متكاملة للحفاظ على سهل صلالة الزراعي وتطويره وإعادة تنظيم المزارع والمشاعات والطرق الزراعية بوصفه وجهة للسياحة الزراعية، من خلال تحسين البنية الداخلية للمزارع، وتأهيل الطرق الزراعية، وإنشاء مسارات للمشاة والدراجات، وتنظيم نقاط بيع مباشرة للمنتجات الزراعية المحلية، بما يعزز القيمة الاقتصادية للمزارع دون المساس بطابعها البيئي والتراثي، وتطويرها بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة.

والتحول نحو هذا النموذج لا يمثل خيارًا تجميليًا أو سياحيًا فحسب، بل هو خيار اقتصادي استراتيجي، إذ إن الحفاظ على سهل صلالة الزراعي وتطويره كوجهة إنتاجية وسياحية مستدامة يوفر عوائد طويلة الأمد، ويعزز استقرار دخل المزارعين، ويدعم الاقتصاد المحلي، ويخفض من كلفة المشاريع البديلة المرتبطة بالأمن الغذائي.

وفي المقابل، فإن غياب سياسات داعمة للمُزارِع سيؤدي إلى استمرار الفجوة الهيكلية في القطاع الزراعي، بما ينعكس على كفاءة الإنتاج واستدامته، ويزيد من الاعتماد على نماذج إنتاج عالية الكلفة.

إنَّ سهل صلالة الزراعي ليس مجرد مساحة زراعية، بل هو أصل استراتيجي متعدد الأبعاد، بيئي واقتصادي وتراثي وسياحي، يمثل أحد أهم مقومات التنمية المستدامة في محافظة ظفار. ومن ثم فإن الحفاظ عليه في مواجهة الضغوط العمرانية المتزايدة لم يعد خيارًا محليًا، بل ضرورة تنموية ووطنية تستوجب تدخلًا مؤسسيًا متكاملًا يوازن بين متطلبات التنمية وحماية هذا السهل من التآكل التدريجي وفقدان مقوماته البيئية، بوصفه الرئة الخضراء التي تتنفس منها مدينة صلالة.

الأكثر قراءة

z