ناصر بن سلطان العموري
في كل عيد، تتجدد الحكايات ذاتها، وتتكرر المشاهد نفسها، حتى بات المواطن يحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب. فبينما يُفترض أن تكون الأعياد مناسبة للفرح وصلة الأرحام وإدخال البهجة إلى النفوس، تتحول لدى كثير من الأسر إلى موسم للحسابات الدقيقة والقلق من المصروفات المتزايدة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية مع ثبات الرواتب وعدم تحركها لسنوات طويلة.
وقبيل كل عيد، ترتفع أسعار العديد من السلع والخدمات بصورة تثير الاستغراب والتساؤل. فالتبريرات جاهزة دائمًا؛ مرة بسبب الأزمات السياسية العالمية، وأخرى بسبب الحروب أو ارتفاع تكاليف النقل والشحن. غير أن المواطن البسيط يتساءل: لماذا تبقى الأسعار مرتفعة حتى عندما تنحسر تلك الأزمات؟ غير أن اللافت أن بعض المنتجات المحلية، التي لا تتأثر بشكل مباشر بعوامل الاستيراد والشحن، تشهد هي الأخرى زيادات غير مبررة، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا الارتفاع. فلماذا يدفع المستهلك وحده فاتورة كل المتغيرات الاقتصادية؟ كما أن بعض الممارسات الخاطئة من قبل بعض التجار والمزودين، كالمبالغة في الأسعار أو الاحتكار أو استغلال زيادة الطلب في المواسم، تزيد من الأعباء المعيشية وتستنزف ميزانيات الأسر التي تسعى فقط إلى توفير مستلزمات العيد الأساسية.
وفي الجهة المقابلة، تتحرك الرواتب ببطء شديد للغاية، لا يتناسب مع ما تشهده الحياة من تغيرات بوتيرة متسارعة. فالكثير من الموظفين والمتقاعدين لم يشهدوا زيادات حقيقية تتناسب مع حجم التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الماضية. وقد يكون الراتب الذي كان كافيًا قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا عاجزًا اليوم عن تغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة نفسها، لا سيما بعد الاستقطاعات التي باتت تنهش الراتب من كل حدب وصوب. فمؤشر الارتفاع في تصاعد يومًا بعد يوم، وأسعار السلع والخدمات تضاعفت، والرسوم والالتزامات الحياتية أصبحت أكثر تنوعًا، بينما بقي الدخل في كثير من الحالات عاجزًا مقيدًا عن مواجهة أعباء الحياة ومستلزماتها.
ومن هنا، فإن الحديث عن تحسين الرواتب لم يعد مطلبًا رفاهيًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية للحفاظ على القوة الشرائية للمواطن. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مراجعة سلم الرواتب بشكل دوري وربط الزيادات بمعدلات التضخم، أو استحداث علاوات معيشية مرنة تتغير وفق المؤشرات الاقتصادية. كما يمكن تقديم منح ومكرمات موسمية في الأعياد والمناسبات الوطنية لكافة المواطنين دون استثناء، تساعد الأسر على مواجهة النفقات الاستثنائية، على أن تشمل مختلف شرائح المجتمع؛ لأن آثار الغلاء لم تعد حكرًا على أصحاب الدخل المحدود فقط.
ومن المقترحات التي تستحق الدراسة كذلك تأجيل الأقساط البنكية خلال مواسم الأعياد، مع تحمل الحكومة للفوائد المترتبة على التأجيل. فهذه الخطوة ستوفر سيولة مالية مؤقتة للأسر وتمنحها فرصة للاستمتاع بالمناسبة دون أن تبتلع الأقساط جزءًا كبيرًا من دخلها الشهري.
ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضًا تعطل الأنظمة الإلكترونية لدى بعض المؤسسات المصرفية، خصوصًا في الفترات التي تشهد كثافة في الاستخدام، مثل الأعياد والمناسبات. ففي الوقت الذي تتبنى فيه السلطنة نهج التحول الرقمي وتسعى إلى ترسيخ مفهوم الحكومة الإلكترونية وتقليل الاعتماد على المعاملات التقليدية، يصبح استقرار الخدمات الإلكترونية مطلبًا أساسيًا لا يحتمل التعثر. وعندما يجد العميل نفسه عاجزًا عن الدخول إلى حسابه أو إجراء تحويل مالي أو إتمام عملية دفع بسبب عطل فني مفاجئ، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلل تقني عابر ليطرح تساؤلات حول جاهزية بعض الأنظمة وقدرتها على مواكبة متطلبات المرحلة الرقمية.
إن نجاح منظومة التحول الإلكتروني لا يقاس بعدد التطبيقات والخدمات المتاحة فقط، بل بمدى استمراريتها وموثوقيتها وقدرتها على العمل بكفاءة في مختلف الظروف. فالأعطال المتكررة قد تؤثر على مصالح الأفراد والمؤسسات، وتنعكس سلبًا على مستوى الثقة بالخدمات الرقمية، وهو ما يتطلب من الجهات المعنية والبنوك مراجعة البنية التقنية بصورة مستمرة، والاستثمار في أنظمة أكثر كفاءة ومرونة، ووضع خطط طوارئ فعالة تضمن استمرارية الخدمة دون انقطاع، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية لرؤية "عُمان 2040" نحو بناء اقتصاد رقمي متكامل وحكومة إلكترونية عصرية قادرة على تلبية تطلعات المواطنين والمقيمين على حد سواء.
إن فرحة العيد الحقيقية لا تتحقق بالوعود البراقة، بل بشعور المواطن بالأمان الاقتصادي وقدرته على تلبية احتياجات أسرته بكرامة. وعندما يصبح الغلاء حديث المجالس الأول في كل عيد، فإن ذلك يستدعي وقفة جادة تبحث عن حلول مستدامة تعيد التوازن بين الدخل وتكاليف المعيشة. فالمواطن لا يبحث عن رفاهية استثنائية، بل عن حياة كريمة تتوازن فيها الرواتب مع الأسعار، وتُضبط فيها الأسواق بعدالة، وتعمل فيها الخدمات الأساسية بكفاءة واستقرار. وعندها فقط، يعود العيد عيدًا كما يجب أن يكون، مناسبة للفرح لا موسمًا لتجدد الشكوى والشعور بالهم والقلق.
