لمن تكون الإنجازات السياسية؟ الجواب عند الشعب

 

 

ليانغ سوو لي

إعلامية صينية

في عالم اليوم، تكاد مسألة "الإنجاز السياسي" أن تكون قضية ملازمة لكل أنظمة الحكم. غير أن معايير قياس هذا الإنجاز تختلف من دولة إلى أخرى، بل تكشف أحيانًا عن رؤيتين متناقضتين تمامًا لمعنى الحكم الرشيد.

ففي بعض البلدان، ما زال الإنجاز السياسي يُختزل في أرقام النمو، وضخامة المشاريع، وما يُعرف بـ"مشاريع الواجهة" التي تُنجز خلال الولاية السياسية. كما انشغل بعض الساسة بما يمكن تسميته "سياسة التفاعل" و"سياسة المدى القصير"؛ حيث تُختزل القضايا المعقدة لإدارة الدولة في شعارات سريعة ومنافسات على منصات التواصل الاجتماعي. وكانت النتيجة سياسات متقلبة، واستقطابًا اجتماعيًا متزايدًا، وتراجعًا مستمرًا في ثقة الناس بالحكومات. وهذا يكشف حقيقة واضحة: أي مفهوم للإنجاز السياسي ينفصل عن الناس وعن الواقع، لن يصمد طويلًا أمام اختبار الزمن.

لكن ما هو الإنجاز السياسي الحقيقي؟

أولًا: لا بُد لأي إنجاز سياسي أن يجيب عن سؤال جوهري: لأجل من؟ فإذا لم تتحول ثمار التنمية إلى شعور حقيقي لدى المواطنين بتحسن حياتهم، فإن الأرقام مهما بدت براقة تفقد معناها. هل فرص العمل أكثر استقرارًا؟ هل التعليم أكثر عدالة؟ هل الخدمات الصحية أكثر سهولة؟ وهل البيئة الإيكولوجية تتحسن بصورة مستدامة؟ هذه القضايا التي قد تبدو "تفاصيل يومية" هي في الحقيقة المقياس الأكثر صدقًا لحرارة الحكم وكفاءة الإدارة.

ومن هنا، تؤكد الصين مرارًا أن "خدمة الشعب هي أعظم إنجاز سياسي"، وهي بذلك تطرح رؤية واضحة: المسؤول الحقيقي هو من يضع شؤون الناس واحتياجاتهم في مقدمة أولوياته.

ثانيًا: لا يمكن للإنجاز السياسي أن يقوم على التسرع أو مخالفة القوانين الموضوعية للتنمية. فقد شهدت بعض المناطق ما يُعرف بـ"مشاريع المظاهر" أو "مشاريع الإنجاز الشكلي"، وكان الدافع وراءها السعي السريع إلى المكاسب السياسية بعيدًا عن الواقع واحتياجات المجتمع. قرارات مرتجلة، ومشاريع توسعية غير مدروسة، انتهت في كثير من الأحيان إلى أعباء ثقيلة وتكاليف طويلة الأمد.

لقد أثبتت التجارب مرارًا أن التنمية التي تتجاهل الواقع لا يمكن أن تستمر، وأن المشاريع المنفصلة عن حاجات الناس يصعب أن تحظى بقبولهم. لذلك، جعلت الصين من العمل الجاد القائم على التطبيق العملي والمثابرة قيمة أساسية، ومن البحث الميداني أساسًا لصنع القرار. فمن مكافحة الفقر إلى النهوض بالأرياف، ومن إدارة الجائحة إلى أهداف "الكربون المزدوج"، لم تكن النتائج مجرد شعارات، بل ثمرة جهود متواصلة وعمل متراكم على الأرض.

ثم إن الإنجاز الحقيقي ليس سباق سرعة، بل مسار طويل يشبه سباقات التتابع، يحتاج إلى صبر تاريخي يقوم على مبدأ: "قد لا يكتمل العمل في عهدي، لكن عطاءه يبقى". وعلى خلاف بعض الدول التي تخضع لدورات انتخابية قصيرة، تؤكد الصين على عمل متواصل عبر فترات حكومية متعاقبة. فمن تحويل صحراء سايهانبا إلى غابات ممتدة، إلى مشروع نقل الغاز من غرب البلاد إلى شرقها، الذي استغرق عقودًا، يتجلى منطق التنمية بعيدة المدى، التي لا تبحث عن "الضجيج" المؤقت، بل عن بناء الأسس الراسخة للمستقبل.

وفي ظل تباطؤ التعافي الاقتصادي العالمي وتصاعد تحديات الحوكمة، يطرح العالم اليوم أسئلة ملحة: ما هو نوع التنمية المستدامة حقًا؟ وما نوع الإدارة التي تمثل الحوكمة فعلًا؟

في نهاية المطاف، يبقى الجواب عند الشعب؛ فالإنجاز الذي يصمد أمام اختبار الواقع والتاريخ ورضا الناس، هو وحده الإنجاز الحقيق. إنه لا يُكتب في التقارير والشعارات؛ بل يُقاس بما يشعر به الناس من سعادة وأمن وتحسن في مستوى حياتهم.

وهذه ليست فقط إحدى الركائز الأساسية في مسار التحديث الصيني النمط، بل أيضًا زاوية جديدة يمكن للعالم من خلالها إعادة التفكير في معنى الحكم الرشيد ومعايير النجاح السياسي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z