حرية التعبير بين المسؤولية والمساءلة

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

 

في زمن يتسارع فيه تدفق المعلومات وتتداخل فيه الحقائق مع الآراء، لم تعد حرية التعبير مجرد شعار يُرفع؛ بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لنضج المجتمعات وقدرتها على تحقيق التوازن بين الحق في القول والواجب في تحمّل تبعاته؛ فالكلمة اليوم لم تعد حبيسة صفحات الجرائد أو نشرات الأخبار، بل صارت عابرة للحدود، قادرة على التأثير والتوجيه، بل وحتى الإضرار، وهو ما يجعل الحديث عن حُرية التعبير دون ربطها بالمسؤولية والمساءلة حديثًا ناقصًا، إن لم يكن مُضلّلًا.

في هذا السياق، يكتسب مؤشر حرية الصحافة الصادر عن "مراسلون بلا حدود" أهمية خاصة، ليس فقط كأداة تصنيف، بل كمرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والإعلام. فمنذ بدء نشر هذا المؤشر في عام 2002، ظلّ يرصد تحولات عميقة في المشهد الإعلامي العالمي، حيث تراجعت حرية الصحافة في كثير من الدول، واتسعت في أخرى، وفق معايير تشمل البيئة السياسية والقانونية والاقتصادية، إضافة إلى سلامة الصحفيين.

أما في الحالة العُمانية، فإنَّ قراءة ترتيب السلطنة في هذا المؤشر تكشف عن مسار متدرج لا يخلو من التذبذب. فقد بدأت عُمان بموقع متوسط نسبيًا في مطلع الألفية، قبل أن تشهد تراجعًا ملحوظًا في العقد الماضي، بلغ ذروته في بعض السنوات التي تزامنت مع تحولات إقليمية ودولية معقدة، فرضت على الدول، ومنها عُمان، إعادة النظر في كيفية إدارة الفضاء الإعلامي، خصوصًا مع صعود الإعلام الرقمي وتنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

غير أن السنوات الأخيرة تشير إلى تحسن تدريجي في ترتيب السلطنة؛ حيث تقدّمت سلطنة عُمان 7 مراكز، من المرتبة 134 في 2025 إلى المرتبة 127 عالميًا في 2026 من أصل 180 دولة، كما جاءت الرابعة عربيًا بعد موريتانيا وقطر ولبنان. ويمكن تفسير هذا التحسن بجملة من العوامل، أبرزها: تحديث البيئة التشريعية، واتساع نسبي في مساحة النقاش العام، وارتفاع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي لدى المواطنين، إضافة إلى التوجه العام نحو التحديث المؤسسي الذي يقوده حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- والذي يسعى إلى مواكبة متطلبات العصر دون الإخلال بثوابت الدولة.

ولا يمكن فصل هذا التحسن عن تطور البنية التعليمية والثقافية في السلطنة؛ حيث أسهمت الجامعات ووسائل الإعلام الحديثة في تكوين جيل أكثر انفتاحًا وقدرة على التحليل والنقاش، وأكثر وعيًا بحقوقه وواجباته. كما أن اتساع الفضاء الرقمي أتاح للمواطنين التعبير عن آرائهم بشكل أوسع، وإن كان ذلك يفرض في المقابل تحديات تتعلق بضبط الخطاب ومنع الانزلاق نحو الإساءة أو التضليل.

لكن هذا التحسن، على أهميته، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة تتطلب ترسيخ ثقافة إعلامية قائمة على المهنية والمسؤولية؛ فحرية التعبير لا تعني إطلاق العنان لكل قول، كما أن المسؤولية لا تعني كبح كل نقد. وبين هذين الحدين، تتشكل المساحة الحقيقية للإعلام الحُر؛ حيث يُسمح بطرح الأسئلة الصعبة، وتُقبل الآراء المختلفة، دون أن يتحول ذلك إلى فوضى أو إساءة أو تضليل.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع سقف الحرية فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة تضمن أن تُمارس هذه الحرية في إطار من الوعي والانضباط، وأن تُقابل بثقافة مؤسسية تتقبل النقد وتستفيد منه، لا أن تنظر إليه كتهديد؛ فالإعلام، في جوهره، ليس خصمًا للدولة، بل شريك في تطويرها، ومرآة تعكس واقعها، وأداة تسهم في تصحيح مسارها.

وفي المقابل، تقع على عاتق الصحفيين والإعلاميين مسؤولية مضاعفة في هذا العصر؛ حيث لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في التحقق منها، وفي تقديمها بشكل مهني يراعي الدقة والتوازن؛ فالكلمة، مهما بدت بسيطة، قد تُحدث أثرًا عميقًا، إيجابًا أو سلبًا، وهو ما يستدعي وعيًا دائمًا بأن حرية التعبير ليست امتيازًا مطلقًا، بل أمانة تستوجب المساءلة.

كما أن المجتمع نفسه شريك في هذه المعادلة؛ فالمتلقي لم يعد مجرد مستقبل سلبي، بل أصبح فاعلًا يساهم في نشر المحتوى وتداوله، وهو ما يضاعف من أهمية الوعي الجمعي في التمييز بين النقد البنّاء والتجريح، وبين حرية التعبير وخطاب الكراهية. فكلما ارتفع مستوى الوعي، تراجعت الحاجة إلى القيود، وازدادت مساحة الحرية المسؤولة.

وفي النهاية، تبقى حرية التعبير في ميزان دقيق، لا يستقيم إلا إذا توازن طرفاه: الحرية والمسؤولية. فإذا طغت الأولى دون الثانية، تحولت إلى فوضى، وإذا طغت الثانية دون الأولى، تحولت إلى صمت. وبين الفوضى والصمت، تقف المجتمعات الواعية، باحثة عن مساحة تقول فيها ما يجب أن يُقال، وتتحمل فيها ما يجب أن يُتحمّل، وتدرك أن الكلمة الحرة لا تكتمل إلا حين تكون مسؤولة، وأن المسؤولية الحقيقية لا تتحقق إلا في ظل حرية حقيقية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z