سلطان الخضوري
منذ مراحل التعليم الأولى كنَّا ندرس عن الموقع الجغرافي المميز لسلطنة عُمان وأن أبواب الشرق والغرب مرتبطة بالجغرافية الخاصة بعُمان، كانت كل تلك المفاهيم تُغرس فينا كمعرفة نظرية والبعض لم يؤمن بها؛ بل العكس كانت محط دعابة لديهم، لكنها اليوم ومع ما يشهده العالم من تقلبات في سلاسل الإمداد أصبحت مفاهيم حقيقية ملموسة نراها بوضوح.
والمكانة اللوجستية لعُمان ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتاريخ طويل ارتبط بالبحر والتجارة وحركة العبور بين الحضارات؛ فمنذ مئات السنين لعبت الموانئ العُمانية دورًا محوريًا في ربط الشرق بالغرب، وكانت السفن العُمانية تصل إلى سواحل الهند وشرق أفريقيا والصين حاملة معها التجارة والثقافة أيضًا. وقد عُرف عن الموانئ العُمانية آنذاك الاستقرار والأمان، الأمر الذي جعلها محطات موثوقة للتجار وخطوط الملاحة البحرية، وهو ما يعكس جذور المكانة اللوجستية التي تتمتع بها السلطنة اليوم.
ومع التحولات العالمية المتسارعة، يؤكد تقرير صادر من شركة "كي بي إم جي" للبحوث أن سلاسل الإمداد لم تعد مجرد عمليات تشغيلية مرتبطة بالنقل والتخزين، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية للدول. وتشير التوجهات العالمية لعام 2026 إلى تصاعد أهمية المرونة اللوجستية، وتوطين سلاسل الإمداد، والاستثمار في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعزيز الاعتماد على القدرات المحلية في مواجهة التقلبات العالمية. وهو ما يُعزز أهمية المرحلة الحالية لسلطنة عُمان في توسيع نطاق المحتوى المحلي في القطاع اللوجستي، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي لبناء منظومة أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على التعامل مع المُتغيرات الدولية، ومن هذا المنطلق تزداد أهمية تعزيز المحتوى المحلي في القطاع اللوجستي كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
المحتوى المحلي في القطاع اللوجستي لا يقتصر على توطين الوظائف فحسب، بل يمتد ليشمل توطين سلاسل الإمداد، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز استخدام المنتجات والخدمات الوطنية في مختلف الأنشطة اللوجستية، مثل النقل، والتخزين، والتوزيع، والخدمات المساندة والأنشطة اللوجستية الأخرى حسب التصنيف بلغ عددها 38 نشاطا. ومع تزايد التحديات العالمية، أصبح من الضروري أن تعتمد الدول على قدراتها الذاتية بشكل أكبر، بجانب إضافة التعاون مع موانئ المنطقة والتوسع بها.
ويمكن النظر إلى القطاع اللوجستي كفرصة حقيقية لتعظيم القيمة المحلية المضافة، نظرًا لتشعبه وارتباطه بعدد كبير من القطاعات الأخرى، مثل الصناعة، والتجارة، والزراعة، والخدمات. فكل عملية لوجستية تحمل في طياتها فرصًا لتشغيل الكفاءات الوطنية، وإسناد الأعمال للمؤسسات المحلية، وتطوير القدرات الفنية والإدارية داخل الدولة. وهذا ما يُعزز الحاجة إلى بناء منظومة لوجستية قوية تعتمد على المحتوى المحلي، قادرة على التكيف مع الأزمات، وتوفير البدائل، واستمرارية الأعمال.
ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة إلى تبني حزمة من الحوافز والسياسات الداعمة، من أبرزها: إعطاء الأفضلية للموردين، إضافة إلى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للدخول في سلاسل الإمداد اللوجستية، وتوفير برامج تدريب وتأهيل للكوادر الوطنية في هذا المجال الحيوي بجانب تفكيك وتقسيم الأنشطة والعملية اللوجستية لإدارة الأزمات والمخاطر.
كما أن الاستثمار في البنية الأساسية اللوجستية، يُمثل ركيزة أساسية لتعزيز المحتوى المحلي، حيث يخلق بيئة جاذبة للاستثمار ويسهم في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى الداخل، وكمثال حي تحويل مطار مسقط القديم إلى مشروع استراتيجي متكامل يضم منطقة حرة مخصصة لتكون مركزاً لوجستياً عالمياً للشحن الجوي معززا بذلك التجارة الإلكترونية.
ومن الجوانب المهمة أيضًا، التحول الرقمي في القطاع اللوجستي، والذي يسهم في رفع الكفاءة، وتقليل التكاليف، وتحسين مستوى الخدمات. ويمكن أن يشكل هذا التحول فرصة لتعزيز المحتوى المحلي من خلال دعم الشركات التقنية الوطنية.
وفي المقابل، يجب تحقيق التوازن بين تعزيز المحتوى المحلي والانفتاح على الأسواق العالمية، بحيث لا يؤدي التركيز على الداخل إلى إضعاف التنافسية أو رفع التكاليف بشكل غير مبرر، بل يكون الهدف هو بناء قدرات محلية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وفي الختام، فإنَّ المرحلة الحالية تفرض على الدول إعادة النظر في أولوياتها الاقتصادية، ويأتي القطاع اللوجستي في مقدمة هذه الأولويات. ومن خلال تبني سياسات وحوافز ذكية لتعزيز المحتوى المحلي، يمكن تحويل التحديات الراهنة إلى فرص حقيقية تدعم النمو الاقتصادي، وتعزز مكانة الدولة كمركز لوجستي فاعل في المنطقة.
