شعوبٌ قتلها "اللا وعي"

 

 

 

 

محمد عمار عيسى

 

اختراق أي شعب واستقطابه لا يحتاج دائمًا إلى جيوش غازية، بل يبدأ استراتيجيًا من أربع بوابات أساسية صممها العدو لكسر إرادة الإنسان: الفقر، والقهر الاجتماعي، والجوع، والجهل. هذه ليست مجرد أزمات عابرة، بل هي "أدوات هندسة" خبيثة تهدف إلى الوصول بالآدمي لمرحلة فقدان الهوية.

تكمن الفلسفة المظلمة خلف هذه البوابات في إدراك العدو لآلية عمل الغرائز؛ فإذا طال أمد المعاناة واستفحلت هذه الظروف، تقع الأمة في فخ "غريزة البقاء المؤقتة". في هذه اللحظة، يحدث انسحاب قسري للفكر لصالح الغريزة، ويهبط الكائن الآدمي من فضاء القيم والمبادئ إلى درك (البهائم) -بالمعنى الغريزي المحض- حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحاجة البيولوجية والبحث عن النجاة الفردية.

وهنا يتجلى تشخيص العلامة "ابن خلدون" في مقدمته، حين أكد أن النفس إذا استُعبدت بالقهر والفقر انصرفت عن طلب الفضائل واشتغلت بسدّ الخلّة، مبينًا أن "المغلوب مولعٌ دائمًا بالاقتداء بالغالب"، ليس في قوته فحسب، بل حتى في ضياع شخصيته المستقلة أمام وطأة الحاجة.

وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة من "اللا وعي"، يصبح من السهل التحكم في مفاصله الفكرية واختراقه. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: يبدأ المرء بتنفيذ مخططات أعدائه بيديه، ويمزق نسيج وطنه طوعًا وهو يظن أنه يبحث عن خلاصه، بينما هو في الحقيقة يغرس الخنجر في صدر أمته دون إدراك.

الخلاصة المُرَّة تتمثل في أن غياب الفكر أمام طغيان الغريزة يعني الإعلان الرسمي عن موت الأمة. فإذا وصلت الشعوب إلى مرحلة التخلي عن وعيها مقابل البقاء المؤقت، فيمكنك أن تنعى هذه الأمة بمرارة؛ فقد أصبحت "في ذمة الله"، ومكانها الطبيعي صار هناك.. مدفونةً في قبر النسيان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z