حمود بن سعيد البطاشي
في ولاية دماء والطائيين، حيث تتعانق الجبال مع مجاري الأودية، وحيث ارتبط الإنسان منذ مئات السنين بالأفلاج والآبار ارتباط الروح بالجسد، لم تكن المياه يومًا مجرد موردٍ عابر، بل كانت شريان حياة، وعنوان استقرار، وذاكرة وطن تحفظ تفاصيل الزراعة والإنسان والمكان.
غير أن ما تشهده الولاية في السنوات الأخيرة من تراجع ملحوظ في منسوب المياه بعد مواسم الأمطار، يدق ناقوس القلق، ويضع الجميع أمام مسؤولية وطنية تستوجب التفكير الجاد في حلول مستدامة تحفظ هذا الإرث المائي العريق قبل أن تبتلعه سنوات الجفاف والتغيرات المناخية المتسارعة. ورغم ما تشهده أودية الولاية من جريان قوي خلال الحالات الجوية والمنخفضات المطرية، إلّا أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن تلك الكميات الهائلة من المياه تمضي سريعًا نحو البحر أو تتبدد في مجاري الأودية دون أن يتم استثمارها بالشكل الذي يضمن استدامة المياه الجوفية. وبعد أشهر قليلة من انتهاء مواسم الأمطار، تبدأ الأفلاج بالتراجع التدريجي، وتتضاءل كميات المياه في الآبار، لتعود المعاناة من جديد، وكأن تلك الأودية لم تجرِ يومًا.
إن معظم أفلاج ولاية دماء والطائيين تُعد من “الأفلاج الغيلية” التي تعتمد بصورة أساسية على التغذية المباشرة للمياه الجوفية، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بانقطاع الأمطار وجفاف الأودية. ومع استمرار انخفاض مستوى التغذية الطبيعية، يجد الأهالي أنفسهم أمام واقع مرهق يتمثل في تكرار أعمال صيانة الأفلاج وتنظيفها وتعميق مجاريها، وهي أعمال تستنزف مبالغ مالية كبيرة وجهودًا بشرية متواصلة، في سبيل الحفاظ على تدفق الماء الذي يمثل عصب الحياة الزراعية والمعيشية في الولاية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء “سدود جوفية” في المواقع المناسبة بولاية دماء والطائيين، باعتبارها أحد الحلول الحديثة والفاعلة في إدارة الموارد المائية، والتي أثبتت نجاحها في العديد من المناطق المشابهة. فالسدود الجوفية لا تهدف فقط إلى تخزين المياه تحت سطح الأرض، بل تعمل على تعزيز تغذية الطبقات الجوفية، والحد من فقدان المياه، ورفع منسوب الآبار والأفلاج بصورة طبيعية ومستدامة.
إن بناء سدود جوفية في مجاري الأودية الحيوية بالولاية، خصوصًا في المناطق التي تشهد تدفقات موسمية كبيرة، سيُحدث فارقًا حقيقيًا في مستقبل الأمن المائي؛ فبدل أن تمُر مياه الأمطار سريعًا دون استفادة طويلة الأمد، ستتحول إلى مخزون استراتيجي يغذي الأرض بصمت، ويحفظ استقرار الأفلاج، ويخفف من معاناة الأهالي والمزارعين الذين يعتمدون على المياه في الزراعة وتربية المواشي والحياة اليومية.
ولا يخفى على أحد أن ولاية دماء والطائيين تُعد من الولايات الزراعية المهمة في سلطنة عُمان، وتتميز بإرث زراعي عريق، وتشتهر بإنتاج النخيل والحمضيات والمحاصيل الموسمية، وهو ما يجعل ملف المياه قضية مصيرية تمس الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في آنٍ واحد. فحين يضعف الماء، تتراجع الزراعة، وتبدأ الأرض بفقدان عطائها، ويضطر المزارع إلى مواجهة تحديات أكبر قد تدفع البعض إلى هجر المزارع أو تقليص نشاطهم الزراعي، وهو أمر لا يتوافق مع توجهات التنمية والاستدامة التي تسعى إليها الدولة.
إنَّ المطالبة بإنشاء سدود جوفية ليست ترفًا تنمويًا، ولا مجرد مقترح عابر يُطرح في لحظة موسمية، بل هي ضرورة تفرضها الوقائع الميدانية، وتجارب السنوات الماضية، والتغيرات المناخية التي أصبحت أكثر وضوحًا وتأثيرًا. فالعالم اليوم يتجه نحو تعزيز إدارة الموارد المائية بأساليب ذكية ومستدامة، وسلطنة عُمان بما تملكه من خبرات ورؤية مستقبلية قادرة بإذن الله على تبني مثل هذه المشاريع الحيوية التي تحفظ للإنسان والمكان حقهما في الحياة والاستقرار.
كما أن إنشاء هذه السدود سيُسهم في التقليل من الأضرار الناتجة عن جريان الأودية، عبر إبطاء حركة المياه والاستفادة منها بدل فقدانها، إضافة إلى دورها في دعم الغطاء النباتي، وتحسين البيئة الطبيعية، وتعزيز الاستقرار المائي للقرى والمزارع المنتشرة على امتداد الولاية.
ولعل الأمل اليوم معقود على الجهات المعنية بالمياه والموارد المائية والتخطيط التنموي، للنظر بعين الاهتمام إلى هذا الملف الحيوي، وإجراء الدراسات الفنية اللازمة لتحديد المواقع المناسبة لإنشاء سدود جوفية تخدم ولاية دماء والطائيين وقراها المختلفة. فالمستقبل لا يُبنى بردود الأفعال المؤقتة، بل بالمشاريع الاستراتيجية التي تستبق الأزمات وتحافظ على مقدرات الوطن.
إنَّ الماء ليس مجرد مورد طبيعي؛ بل هو حياة وطن، وطمأنينة مجتمع، واستمرار حضارة. وحين نتحدث عن حماية الأفلاج والآبار، فإننا في الحقيقة نتحدث عن حماية تاريخ طويل من الصبر والعطاء والارتباط بالأرض. ومن هذا المنطلق، تبقى السدود الجوفية أحد أهم الحلول التي تستحق أن تتحول من فكرة مطروحة إلى مشروع وطني يرى النور، حفاظًا على ولاية دماء والطائيين، وصونًا لمائها، وضمانًا لحق الأجيال القادمة في الحياة والاستقرار.
