حرب المضيق.. من "الغضب الملحمي" إلى "مشروع الحرية"

 

 

 

 

محمد جعفر **

مع حلول شهر مايو 2026، دخلت أزمة مضيق هرمز فصلًا جديدًا من التصعيد الذي لم يشهده العالم منذ عقود. لم يعد الحديث اليوم عن احتمالات إغلاق هذا الممر الحيوي، بل عن واقع مفروض أدى إلى خفض حركة الملاحة بنسبة 96%، مما دفع القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة نحو مسارات اضطرارية لتفادي انهيار اقتصادي عالمي شامل ولتحليل مآلات التحركات الأمريكية والعربية تجاه إيران في ظل هذا الانسداد الجيوسياسي لا ُبد من سرد التفاصيل الاتية:

أولا: الكُل في مأزق

1.    الجانب الأمريكي

يمكن الحديث عن الجانب الأمريكي بمعزل عن الجانب الإسرائيلي مؤقتا لاختلاف وجهات النظر فيما يخص إيران حاليًا وما توجهه الإدارة الأمريكية من عقبات قانونيه داخليه يصفها مراقبون بـ"حقل ألغام دستوري"، حيث تتداخل طموحاتها العسكرية مع قيود تشريعية صارمة وقرارات قضائية بدأت تضيق الخناق على سياساتها.

وتعد العقبة الأبرز أمام ترامب وإدارته قانون سلطات الحرب (War Powers Resolution)؛ حيث بدأت العمليات العسكرية ضد إيران (عملية الغضب الملحمي) في 28 فبراير 2026. وبموجب القانون، ويحتاج الرئيس إلى تفويض رسمي من الكونجرس لمواصلة العمليات بعد مرور 60 يومًا. ومع حلول شهر مايو، انتهت هذه المهلة القانونية، مما جعل استمرار التحركات العسكرية عُرضة للطعن الدستوري.

كما أن الإدارة الأمريكية تواجه تحديات التمويل والرقابة البرلمانية المتزايدة مع الوقت فقد قدم النائب "توم باريت" (في 7 مايو) مشروع قانون يهدف لتمديد التفويض العسكري حتى نهاية يوليو فقط، ولكن مع قيود صارمة تمنع ترامب من توسيع نطاق الحرب، مما يعكس رغبة الكونجرس في استعادة زمام المبادرة. أضف إلى ذلك تلك الانتكاسات القضائية التي تلقاها ترامب من "محكمة التجارة الدولية الأمريكية" التي قضت في 7 مايو 2026 بعدم قانونية الرسوم الجمركية التي فرضها في فبراير الماضي، مما يشير إلى أن القضاء قد لا يتسامح مع توسع الرئيس في استخدام "قوانين الطوارئ" لتبرير تحركاته العسكرية والاقتصادية. وقد لجأ الرئيس ترامب وفريقه لعدة استراتيجيات "ذكية" قانونيًا لضمان استمرار الضغط دون الحاجة لموافقة الكونجرس منه إعادة التسمية (Rebranding) باستبدال اسم عملية "الغضب الملحمي" بـ"مشروع الحرية" (Project Freedom) في 4 مايو 2026. الهدف هو تحويل التوصيف القانوني من "عملية هجومية" إلى "مهمة إنسانية لتأمين التجارة"؛ مما يُعيد ضبط العداد القانوني ويصور أمريكا كجهة "مُحفزة للملاحة" وليست طرفًا محاربًا.

كما بدأ ترامب في تشديد الحصار البحري وتفتيش السفن المتجهة لإيران لممارسة أقصى ضغط ممكن على إيران لدفعها لتقديم تنازلات معتبرة على طاولة المفاوضات دون الحاجة لإعلان حرب شاملة؛ حيث يُبقي خيار القصف قائمًا تحت بند "الدفاع عن النفس" في حال تعرضت السفن المحمية لأي تهديد، وهو مبرر دستوري يصعب على الكونجرس تقييده.

2.    الجانب الإيراني

تمُر إيران بواحدة من أعقد وأخطر الأزمات في تاريخها الحديث؛ حيث تتقاطع الضربات العسكرية المباشرة مع حصار بحري خانق، مما أوجد واقعًا جديدًا على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية. وبناءً على معطيات الأزمة المستمرة، نجد أن انتقال السلطة في إيران أحدث هزةً عنيفةً في هيكل الحكم. هذا الانتقال أوجد حالة من عدم اليقين؛ حيث تسعى القيادة الجديدة لترسيخ شرعيتها تحت ضغوط الحرب. وعلى الصعيد الاقتصادي، أصبحت البلاد على حافة الانهيار الصناعي بعد ضرب قطاعي الصلب والبتروكيماويات التي استهدفتها الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في فبراير في بوشهر والأهواز وأصفهان، مما أدى لفقدان نحو 53% من إنتاج الصلب، وهو قطاع يمثل 5% من الناتج المحلي الإجمالي. كما تضرر حقل "جنوب فارس" الذي يوفر 70% من غاز إيران، مما أدى لانقطاعات واسعة في التيار الكهربائي؛ حيث يعتمد توليد الكهرباء في إيران بنسبة 82% على الغاز. ومع ذلك لا تزال إيران تفرض "سيطرة نارية" على مضيق هرمز عبر الألغام البحرية والزوارق الانتحارية، وتستخدمه كأقوى ورقة ضغط لفك الحصار البحري الذي فرضته واشنطن عليها في أبريل 2026.

3.    الجانب الخليجي

يواجه مجلس التعاون الخليجي "صدمة وجودية" لنموذجه الاقتصادي؛ حيث أدى إغلاق مضيق هرمز منذ مارس الماضي إلى شلل شبه كامل في حركة التصدير والاستيراد، مما وضع المنطقة أمام تحديات لم تشهدها حتى في أوج "حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي. فقد أدى توقف الصادرات النفطية إلى أزمة سيولة بعد أن أدى الإغلاق إلى احتجاز نحو 10-12 مليون برميل يوميًا من النفط الخام داخل الخليج. كما تضررت الكويت والعراق وقطر بشكل "كارثي" لعدم امتلاكها أي منافذ بديلة للبحر؛ فقد أعلنت شركة "قطر للطاقة" لإعلان القوة القاهرة على صادراتها من الغاز المسال (LNG) بعد استهداف منشآت "رأس لفان"، مما قطع 20% من إمدادات الغاز العالمية وأدى لقفزة تاريخية في الأسعار في آسيا وأوروبا. وقد اضطرت دول الخليج لخفض إنتاجها النفطي بمقدار 10 ملايين برميل يوميًا نتيجة امتلاء صهاريج التخزين وعدم القدرة على التصدير. لم يقف الاغلاق عند هذا الحد؛ بل أحدث ما يمكن أن نسميه أزمة لوجستية أدت إلى أزمة غذاء؛ إذ يعتمد الخليج على المضيق لاستيراد 80% من احتياجاته الغذائية. ففي مارس وأبريل 2026، أُعلنت حالة "طوارئ غذائية"، ولجأت دول مثل السعودية والإمارات للجسر الجوي لنقل السلع الأساسية، مما رفع أسعار الغذاء بنسب تتراوح بين 40% إلى 120%. كما تحولت الموانئ إلى مرافئ مكتظة بالسفن العالقة وتعطلت سلاسل الإمداد لآلاف الحاويات المتجهة لآسيا وأفريقيا؛ مما اضطر دول مجلس التعاون الى الاعتماد على طرق بديلة، كتشغيل السعودية لخط أنابيب شرق-غرب، الذي يعمل حاليًا بطاقته القصوى لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ليكون المخرج الوحيد المتاح للمملكة بعيدًا عن هرمز. أما الإمارات فقد أصبح خط أنابيب الفجيرة شريان الحياة الرئيسي للإمارات لتصدير النفط مباشرة إلى بحر العرب، كما نشطت حركة الشاحنات عبر الحدود السعودية- الإماراتية- العُمانية لنقل البضائع من موانئ صلالة والدقم إلى داخل المدن الخليجية المحاصرة بحريًا.

ثانيًا: الانخراط العربي

تعد قضية الانخراط العربي في "حرب فتح المضيق" من أكثر القضايا حساسية في المشهد؛ حيث تتداخل المصالح الاقتصادية الحيوية مع المخاوف الأمنية من اشتعال حريق إقليمي لا يمكن إطفاؤه. وحتى الآن، لا يوجد "إجماع عربي" على الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة لفتح مضيق هرمز، والموقف ينقسم إلى 3 اتجاهات:

دول المواجهة: وهي الدول الخليجية المتضررة مباشرة (مثل الإمارات والسعودية والكويت)، التي تُركز على تأمين خطوط أنابيب بديلة (مثل خط الفجيرة وخط شرق-غرب) لتجاوز المضيق، مع تقديم دعم لوجستي واستخباراتي للتحالف الدولي بقيادة أمريكا دون الانخراط في القصف المُباشر.

دول الوساطة النشطة: تقود سلطنة عُمان وقطر جهودًا دبلوماسية مكثفة بين طهران وواشنطن للوصول إلى اتفاق "فتح مشروط" يجنب المنطقة الحرب، مع اقتراح وضع المضيق تحت إدارة لجنة إقليمية محايدة.

الدول العربية الداعمة للموقف الخليجي: ترفض معظم الدول العربية فكرة الدخول في الحرب، وتعتبر أن أي انخراط عسكري يجب أن يكون تحت غطاء دولي (الأمم المتحدة) ويهدف فقط لحماية حرية الملاحة لا لتغيير النظام أو تدمير البنية التحتية للخصم.

وإذا كان ذلك كذلك، فما دلالات التحركات المصرية الأخيرة؟

رصد المراقبون في 8 مايو 2026 تحركًا مصريًا لافتًا تمثل في تمركز "مفرزة قتالية جوية" (تضم مقاتلات رافال) في قواعد عسكرية بدولة الإمارات. وتحمل هذه الخطوة دلالات استراتيجية كبرى:

1. رسالة "مسافة السكة":

يُعد هذا التحرك تفعيلًا ميدانيًا لعقيدة "أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري". ووجود الرافال المصرية في الإمارات يبعث برسالة ردع واضحة بأن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت المنشآت الحيوية العربية لهجمات انتقامية نتيجة التوتر في المضيق.

2. توصيف "المفرزة القتالية":

اختيار مصطلح "مفرزة" بدلًا من "قوة مُقدِّمة" هو قرار ذكي قانونيًا وعملياتيًا؛ فهي قوة مرنة قادرة على القيام بمهام دفاعية واعتراضية (حماية الأجواء) دون أن تُصنف كقوة هجومية لبدء حرب؛ مما يحافظ على التزام مصر الدستوري بالدفاع لا العدوان.

3. حماية "شريان الحياة" (قناة السويس):

تُدرك مصر أن استمرار إغلاق هرمز سيؤدي في النهاية إلى شلل في قناة السويس (بسبب توقف الناقلات القادمة من الخليج). التحرك المصري يهدف لتأمين "بداية الطريق" في الخليج لضمان تدفق الحركة نحو القناة، وهو تحرك لحماية الاقتصاد الوطني بالدرجة الأولى.

4. التوازن الاستراتيجي:

رغم هذا التعزيز العسكري، تواصل القاهرة اتصالاتها مع طهران وواشنطن كـ"وسيط موثوق"؛ حيث تسعى لاستخدام وجودها العسكري كورقة ضغط لفرض التهدئة لا لتسعير الصدام.

في التحليل الأخير يمكن القول إن إيران جريحة عسكريًا ومخنوقة اقتصاديًا، لكنها لا تزال تمتلك القدرة على تعطيل التجارة العالمية، مما يجعلها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة استقرار قادمة.

أما الإدارة الأمريكية فهي مأزومة دستوريًا ولن تكون قادرة على الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد لكن يمكنها الاعتماد على الحلفاء خاصة الحليف الصهيوني في الاضطلاع بأدوار تدمير ما تبقي من البنية التحتية الإيرانية إذا لزم الامر. كما يمكنها لأمريكا تطهير الممرات عبر عمليات مكثفة لمكافحة الألغام البحرية التي زرعتها إيران في المضيق، مع استخدام تكنولوجيا الطائرات المسيرة المائية لتأمين مسارات الناقلات دون الحاجة الى الرجوع الى الكونجرس.

بينما الخليج؛ فيُعاني انكشافًا اقتصاديًا حادًا بسبب توقف صادرات الغاز والنفط وازمة لوجستية خانقة ويبحث طرق بديلة فعالة يتجاوز بها مضيق هرمز.

ويمكن تصور مآلات هذه التحركات التي يمكن أن تنتهي إلى أحد مسارين: إما "اتفاق ضرورة" أو "صفقة كبرى" تُعيد فتح المضيق مقابل تنازلات سياسية كبرى من جميع الاطراف، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد وشاملة قد تعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط وتنهي الاعتماد التاريخي على مضيق هرمز كممر أوحد للطاقة العالمية.

** كاتب وباحث

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z