خميس بن سعيد بن سالم الحربي
في سياق مشاركتي في المؤتمر الدولي لمهنة التعليم، استوقفتني قصة إنسانية عميقة طرحها محمد جودت، الرئيس التنفيذي السابق للأعمال في Google X، حيث لم تكن مداخلته مجرد عرض مهني، بل كانت رحلة تأملية في أثر المعلم الحقيقي في تشكيل مسارات الحياة.
استهل حديثه باسترجاع شغفه المبكر بعلم الرياضيات، وقدرته العالية على استيعاب مفاهيمه، غير أن هذه المسيرة لم تخل من تحديات مفصلية؛ إذ أشار إلى واقعة انقطاعه عن المدرسة لمدة شهر، وعند عودته وجد نفسه أمام فجوة معرفية في أحد فروع الهندسة، الأمر الذي جعله رغم تفوقه عاجزًا عن الفهم، وكأنه يواجه علمًا لم يسبق له التعامل معه.
في هذه اللحظة الفارقة، برز دور معلم استثنائي، أطلق عليه اسم "الأستاذ سواح"، الذي لم يلجأ إلى الشرح التقليدي، بل قدم نموذجًا تربويًا مختلفًا. أخرج من حقيبته مجموعة من الأدوات البسيطة، أقلام ملونة، ومسطرة، ومثلث هندسي، ثم طرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره: "ماذا ترى؟".
أجاب الطالب بثقة: "أرى كل شيء" غير أن هذا الجواب، على بساطته، كشف عن فجوة عميقة بين الرؤية البصرية والفهم المفاهيمي. وهنا، لم يكن دور المعلم مجرد نقل معرفة، بل إعادة بناء طريقة التفكير، وتحويل الإدراك من سطحية المشاهدة إلى عمق الفهم.
يؤكد محمد جودت أن هذه اللحظة التعليمية لم تكن عابرة، بل كانت نقطة تحول محورية في حياته، حيث أسهمت في إعادة تشكيل نظرته للعلم، وطريقة تعلمه، بل ومساره المهني لاحقًا. ولعل الأثر الأعمق يتمثل في أن هذا التدخل التربوي البسيط كان له امتداد غير مباشر إلى العالم، من خلال إسهاماته اللاحقة في تطوير مشاريع وتقنيات ضمن منظومة Google X، والتي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لملايين المستخدمين حول العالم.
هذه القصة تطرح دلالة تربوية بالغة الأهمية، مفادها أن جودة التعليم لا تقاس بكمية المعلومات المقدمة، بل بقدرة المعلم على إحداث تحول نوعي في طريقة تفكير المتعلم. فالمعلم الفعال هو من يوقظ التساؤل، ويعيد تشكيل الفهم، ويمنح المتعلم أدوات الرؤية العميقة، لا مجرد الإجابة.
ختامًا.. يمكن القول إن تجربة واحدة مع معلم واعٍ قد تعيد رسم مستقبل متعلم، بل وقد تمتد آثارها لتلامس مجتمعات بأكملها. ومن هنا، تتجلى المسؤولية العظمى لمهنة التعليم، ليس بوصفها مهنة نقل معرفة، بل رسالة لصناعة الأثر.
** مُشرف مصادر التعلُّم
