قصورٌ في النظريات السياسية واتباع أجندة ملغومة

 

 

 

المنتصر بن زهران الرقيشي **

 

جرت العادة أن نترفع بحكم ثقتنا بتاريخنا المتجدد عن الرد على المُغرضين، فعهدنا نترك النصوص تمضي إلى القارئ ليفصل هو فيها دون الانجرار نحو التراشق الإعلامي الذي لا يقود لشيء، غير أنَّ بعض الأطروحات تُروج وتعمل على بناء خللٍ بنيوي للمقاصد السياسية وأدبياتها، وهنا أمرٌ يستدعي التوقف عليه وتفنيده.

كلنا، كمطلعين، قرأنا مقالة الدبلوماسي السابق مارك سيفرز بعنوان "دبلوماسية عُمان الفاشلة"، المنشورة في مجلة "جيروزاليم استراتيجيك تريبيون"، ولا حاجة هنا لإهدار وقت القارئ في تفكيك طبيعة هذه المنصة أو الإشارة إلى خلفياتها؛ فهذه مسألة يُمكن التحقق منها بسهولة، كما لا يوجد مجال لهدر وقت القارئ الثمين في التعريف بشخص كاتب المقال وزميله.

المقصود من هذه المقالة يتجاوز فكرة التعريف بدبلوماسية سلطنة عُمان، وإنما تهدف لتبيان مدى فداحة الأخطاء التي وقع فيها الكاتب وتجنيه على فهم الواقع السياسي ونظرياته المرتبطة بأدبيات العلوم السياسية والاتصالات الدولية، لذا يأتي هذا الرد من باب أكاديمي مدعوم بالشواهد السياسية، فالكاتب ينطلق من افتراض يُحمّل من خلاله الوسيط مسؤولية منع الحرب، وهو تصور يتعارض مع ما تقرره أدبيات العلاقات الدولية، فضلًا عن تناوله القوة الناعمة العُمانية بمنظور قاصر عن فهم النظرية في حد ذاتها.

أولًا: تُعرّف الوساطة في أدبيات إدارة النزاع- كما صاغها الباحثون- بوصفها تدخلًا من طرف ثالث غير مُلزَم، يهدف إلى مساعدة أطراف الصراع على تعديل أنماط سلوكهم أو إدراكهم، دون امتلاك أدوات الإكراه أو فرض النتائج، وبذلك، فإن الوسيط يُفهم نظريًا بوصفه مُيسّرًا للعملية التفاوضية ومن ثمّ، فإن أي قراءة تُحمّل الوساطة وظيفة الحسم أو فرض الحلول، إنما تنطلق من تعريف غير منضبط للمفهوم، وتُخالف ما استقر عليه حقل "إدارة النزاع" من تمييز صارم بين الوساطة كأداة تيسير، والإكراه كأداة فرض.

ثانيا: ومن الزوايا التي تكشف اختلال القراءة المطروحة، تغييب سؤال مهم: من الذي صاغ أصلًا شكل القناة التفاوضية؟ الوقائع المنشورة تُظهر أنَّ المسار لم يكن نتاج تصميم الوسيط، بل تشكّل وفق شروط الأطراف. التقارير الإعلامية تؤكد أن طهران تمسّكت بصيغة التفاوض غير المُباشر، واشترطت نقل الردود عبر مسقط، وهو ما جرى فعليًا في تبادل الرسائل مع واشنطن، وهذا التفصيل يحسم الجدل: القناة غير المباشرة إطار تفاوضي فُرض من أحد أطراف النزاع وقَبِله الطرف الآخر، بينما اقتصر الدور العُماني على إدارة القناة وضبط إيقاعها ضمن بيئة تفاوضية ذات طابع بعيد عن البهرجة والتفاخر الإعلامي. بناءً على ذلك، فإنَّ تحميل الوسيط مسؤولية (شكل المسار) هو خلط (مُتعمد) بين إدارة النزاع وأدوات الإكراه ويدلل على عدم فهم حقيقي أو تعمد مدفوع لأخذ القارئ ضمن تأطير إعلامي تحت مظلة أجندة مخفية.

التجربة التاريخية تعزّز هذا الحكم، ولست هنا بصدد استعراض القناة العُمانية التي مهّدت للاتصالات السرية بين واشنطن وطهران عام 2013، والتي أفضت لاحقًا إلى اتفاق عزز من الموقف الدبلوماسي العُماني في كافة الأصعدة ذات الطبيعة؛ فدراسات مراكز الفكر أشارت إلى أن قيمة الوساطة العُمانية تكمن في الثقة المتراكمة والقدرة على إدارة قنوات هادئة، وهو ما يفسر قبول الأطراف بها في لحظات التعقيد.

أما محاولة ربط تعثر المسار بانتقاله إلى العلن؛ فهي قراءة تتجاوز تسلسل الوقائع. المسار التفاوضي كان قد تشكّل عبر قنوات هادئة، ثم أُدخل عليه عامل عسكري خارجي أعاد تعريف بيئة التفاوض ورفع كلفة الاستمرار فيه، وفي أدبيات "العلاقات الدولية"، يُفهم هذا التحول ضمن "التصعيد القسري"، حيث تتغير حسابات الأطراف نتيجة ضغط ميداني، فتتراجع فاعلية القنوات الدبلوماسية بغض النظر عن كفاءة الوسيط، وبالتالي فإن ربط النتيجة بطبيعة الوساطة يتجاهل هذا التحول ويستبدله بقراءة اختزالية تنم عن فهم قاصر أو تعمد مفضوح.

في هذا السياق، تظهر المداخلة العلنية للوسيط كخيار تكتيكي مشروع وهي أداة من أدوات "القوة الناعمة"، وقد تم استخدامها لرفع الكلفة السياسية للتصعيد وتعرية مخاطره أمام الأطراف والمجتمع الدولي، وهذا السلوك ينسجم مع ما تصفه الأدبيات الحديثة بـ"الوساطة متعددة المسارات"، حيث يتحرك الوسيط بين العمل الهادئ والتأثير العلني وفق مقتضيات اللحظة، مع الحفاظ على طبيعته الحيادية.

هذا النمط من التحليل الذي قدمه كاتب المقال يكشف أحد احتمالين: قصور في الإحاطة بأساسيات نظرية الوساطة، أو إعادة إنتاج سردية مُسبقة تُسقِط نتائجها على واقع لا يدعمها، وفي الحالتين، ينتقل النقاش من حقل التحليل الرصين إلى إعادة تدوير استنتاجات منفصلة عن بنيتها المفاهيمية.

في نفس سياق تفكيك المقالة، فالتاريخ يقدّم مادة واضحة حول مسار هذه الحرب، فكثير من صانعي القرار يدخلون الحروب وهم يعتقدون أنهم يملكون تصورًا لمسارها إلا أن الوقائع أظهرت فجوة عظيمة بين التقدير والنتيجة وها هو المجتمع الدولي بأسره يدفع ثمنا ًوعبئًا اقتصاديا نتيجة عدم السماع لصوت العقل، ولنا من الشواهد التاريخية أمثلة بدءًا من الحرب على فيتنام، ثم العراق ثم أفغانستان، لذا على كاتب المقالة أن يكرس تحليله المنقوص ضمن أرض الأدبيات السياسية بدلًا من اتباع أجندة ملغومة.

أما العلاقة مع إيران، فلن أتطرق إليها لأن الجهل بالتاريخ أو الجغرافيًا السياسية لن يستوعبه فكر من أراد زرع الانتقاص، ولكن من باب النصيحة، أدعوك للرجوع إلى المكاتب لفهم التالي "الجغرافيا عامل حاسم في تشكيل سلوك الدول واستراتيجياتها" وربما يمكنك الاطلاع على كتاب "انتقام الجغرافيا" للكاتب روبرت دي. كابلان، ومن هنا يبرز خطأ آخر يتمثل في تجاهل هذه المُعطيات مما يعزز أن المقالة مبينة على قراءة ناقصة بعيدة جدا عن جوهر المسألة.

وعند تناول الموقف الخليجي، يُعاد تقديم التباين موضحًا أن هناك مؤشرًا على القطيعة، وهو استنتاج لا ينسجم مع التجربة العُمانية ولا يقرأ حقيقة استقلال القرار العماني وأنه سمة ثابتة في السياسة العُمانية ودون أن يُفقدها ذلك موقعها داخل المنظومة الخليجية. هذا النهج يظهر في مواقف متعددة، من بينها قرار عدم الانضمام إلى مشروع العملة الخليجية الموحدة، وهو قرار عكس تقديرًا سياديًا للاعتبارات الاقتصادية، إلا أن العُماني يؤمن بأن الجار للجار وأن وشائج القُربى تترفع عن السماح لهذه الأحداث بأن تتأثر أو أن تؤثر على الإنسان والسياسة العمانية الماضية على أسس ثابتة ومستقلة.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، فإن قصورها في المقالة واضح جدًا وهو يعكس قراءة سطحية لطبيعة العلاقات الدولية، هذه العلاقة موثقة في سجلات ممتدة، ويمكن الرجوع إلى أرشيف "مكتبة الكونجرس" لفهم عمقها، ولست هنا بصدد العرض التاريخي، ولكن لأوضح بأن موقع عُمان الجغرافي في معادلات الاستقرار الإقليمي جعلها شريكًا مهمًا في حسابات واشنطن لا العكس.

ولكي أُنهي ما بدأته، المقالة تُعاني من اختزال مفرط لوقائع معقدة، وتتجاهل أدوات تحليلية أساسية في فهم العلاقات الدولية، والكُتاب الزملاء في مختلف المواقع والمنابر الإعلامية قدموا نماذج مختلفة في الرد، وهذه المقالة تؤكد أننا كعُمانيين نفهم وندرك موقعنا وكذلك العُقلاء من مختلف المنابع يعلمون ويدركون قيمة الدبلوماسية العُمانية، وأن أي قراءة لا تنطلق من هذه المسلمات تنتهي إلى استنتاجات تعكس محدودية أدواتها.

تحياتي للجميع من بلادٍ تؤمن بأنَّ الحياد وطاولة المفاوضات الصادقة هي أداة السلام.

** كاتب متخصص في العلوم السياسية والاتصالات الدولية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z