أ.د. راشد بن حمد البلوشي **
في سياق التحولات التشريعية والمؤسسية التي تشهدها سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة، والتي تتسم بتعزيز دولة القانون وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، يبرز صدور المرسوم السلطاني رقم (47/ 2026) بإعادة تنظيم اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان كإحدى الخطوات المفصلية في مسار تطوير البنية الحقوقية الوطنية، ويأتي هذا المرسوم في ظل تزايد الاهتمام الدولي والإقليمي بدور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، باعتبارها حلقة وصل محورية بين الدولة والمجتمع، وأداة رقابية واستشارية تسهم في تعزيز احترام الحقوق والحريات الأساسية.
ولا يمكن قراءة هذا التطور بمعزلٍ عن التزامات سلطنة عُمان الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا عن سعيها المستمر إلى مواءمة تشريعاتها الوطنية مع المعايير العالمية، خاصة في ظل ما تفرضه البيئة الدولية من متطلبات تتعلق بالشفافية والمساءلة وحماية الكرامة الإنسانية. كما يعكس هذا المرسوم إرادة سياسية واضحة لإعادة هيكلة اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان بما يضمن رفع كفاءتها المؤسسية وتعزيز استقلاليتها؛ لتكون أكثر قدرة على الاضطلاع بمهامها الرقابية والاستشارية بفعالية ومهنية.
ويبرُز من خلال قراءة مضامين المرسوم أن المُشرِّع العُماني اتجه بشكل واضح نحو مواءمة الإطار القانوني والتنظيمي للجنة مع مبادئ باريس، وهو ما يُعزِّز من مكانتها كمؤسسة وطنية مستقلة قادرة على الاضطلاع بدورها في حماية وتعزيز حقوق الإنسان وفق أفضل الممارسات الدولية. ويُعد هذا التوجه خطوة استراتيجية نحو رفع تصنيف اللجنة دوليًا وتعزيز مصداقيتها في المحافل الحقوقية.
ومن بين أبرز التعديلات التي جاء بها المرسوم: إعادة تنظيم آلية اختيار أعضاء اللجنة؛ حيث نصَّ على أن تصدر آلية الاختيار والتعيين بموجب أمر سلطاني، وفق ضوابط تتسم بالشفافية والتعددية والتنافس، مع مراعاة الكفاءة والخبرة في مجال حقوق الإنسان، فضلًا عن ضمان تمثيل مناسب للمرأة. ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في إضفاء الطابع المؤسسي المهني على تشكيل اللجنة، بعيدًا عن أي اعتبارات غير موضوعية.
كما وضع المرسوم شروطًا دقيقة لعضوية اللجنة وحالات انتهاء العضوية، بما يضمن استقطاب كفاءات مؤهلة وقادرة على الإسهام الفعّال في العمل الحقوقي، إلى جانب منح اللجنة صلاحية تحديد أعضاء مُتفرِّغين من بين أعضائها، وهو تعديل مُهم يعزز من فاعلية اللجنة من خلال تخصيص موارد بشرية متفرغة لمتابعة الملفات الحقوقية المختلفة.
وفي سياق تعزيز الاستقلالية، أكد المرسوم على تمتع اللجنة بالاستقلال التام في ممارسة أنشطتها، مع توفير حماية قانونية لأعضائها، بحيث لا يُسألون عمَّا يبدونه من آراء أو أقوال في نطاق اختصاصهم. ويُعد هذا النص ضمانة أساسية لتمكين اللجنة من أداء دورها الرقابي بحرية وحيادية، بعيدًا عن أي ضغوط محتملة.
وعلى صعيد الاختصاصات، وسَّع المرسوم من صلاحيات اللجنة بشكل ملحوظ؛ حيث منحها حق القيام بزيارات ميدانية مُعلنة وغير مُعلنة إلى السجون وأماكن الاحتجاز والمؤسسات الصحية والتجمُّعات العمالية، لرصد أوضاع حقوق الإنسان على أرض الواقع، كما خوّلها المشاركة في الفعاليات الدولية والإقليمية، والتوصية بالانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وهو ما يعزز من انفتاح السلطنة على المنظومة الحقوقية العالمية.
وفي جانب الشفافية والمساءلة، ألزم المرسوم اللجنة بإعداد تقرير سنوي شامل عن أنشطتها ومقترحاتها، يُرفع إلى جلالة السلطان، مع إرسال نسخ منه إلى مجلس الوزراء ومجلس الدولة ومجلس الشورى، بما يكرّس مبدأ التكامل المؤسسي والتنسيق بين أجهزة الدولة.
كما منح المرسوم رئيس اللجنة صلاحيات واسعة في الجوانب المالية والإدارية، تعادل صلاحيات رئيس الوحدة، وهو ما يعزز من كفاءة الإدارة الداخلية ويضمن سرعة اتخاذ القرار.
في المحصلة.. يعكس المرسوم السلطاني رقم (47/ 2026) توجهًا متقدمًا في بنية العمل الحقوقي في سلطنة عُمان؛ حيث يجمع بين تعزيز الاستقلالية، وتوسيع الاختصاصات، وترسيخ الشفافية؛ بما يضع اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان أمام مرحلة جديدة من العمل المؤسسي الفعّال، ويؤكد التزام سلطنة عُمان بتعزيز حقوق الإنسان وفق رؤية متوازنة تجمع بين الخصوصية الوطنية والمعايير الدولية.
** رئيس اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان
