◄ استعراض التحديات وسبل التغلب عليها لرفع كفاءة التعامل مع الحالات الجوية
◄ المدعي العام: التهوّر بعبور الأودية قد يدفع إلى إعادة تقييم التشريعات لتحقيق الردع الكافي
◄ مساعد المفتي: يؤكد أهمية توظيف الخطاب الديني لرفع الوعي للحد من الممارسات الخطرة
مسقط- العُمانية
أكّدت ندوة "منخفض المسرّات.. الاستجابة والأثر"، التي نظّمتها هيئة الدفاع المدني والإسعاف، في ختام أعمالها، أنّ حماية الأرواح مسؤولية مشتركة تقوم على وعيٍ فردي يرفض المجازفة، والتزامٍ مجتمعي بتوجيهات الجهات المختصّة، وتدعمها منظومة قانونية رادعة تُحاسب على الإهمال والتهاون. رعى افتتاح أعمال الندوة معالي الدكتور عبد الله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام، بحضور اللواء سليمان بن علي الحسيني رئيس هيئة الدفاع المدني والإسعاف.
واستعرضت الندوة جهود الاستجابة الوطنية خلال الحالة الجوية الاستثنائية "منخفض المسرّات"، مؤكدةً أهمية تعزيز التوعية المجتمعية بخطورة المجازفة في مجاري الأودية ومواقع الخطر، بما يسهم في الحد من الخسائر وحماية الأرواح والممتلكات.
وأوضح سعادة نصر بن خميس الصواعي المدعي العام، أنّ تزايد حالات عبور الأودية واحتجاز المركبات، يعكس تطورًا في سلوكيات الاستهتار وسوء التقدير مقارنة بأعداد أقل في السنوات الماضية، مؤكدًا أنّ هذه التصرفات، مهما كانت دوافعها، تؤدي إلى نتيجة واحدة وخطرة، وقد تم التعامل معها قانونيًّا عبر إحالتها إلى الجهات المختصّة.
وأشار سعادته إلى أهمية تعزيز الجانب القانوني في التعامل مع هذه التصرفات، بما يحقق الردع العام في المجتمع، إلى جانب الردع الخاص، بحيث لا يقتصر الأمر على معالجة الضرر بعد وقوعه، بل يمتد إلى منع تكراره عبر عقوبات واضحة ومؤثرة.
وأكد سعادته أنّ استمرار السلوكيات الخطرة، مثل التهور في عبور الأودية، قد يدفع إلى إعادة تقييم التشريعات والعقوبات، بما يضمن تحقيق الردع الكافي وحماية الأرواح، مع الإبقاء على مبدأ أنّ الغاية ليست التشديد بحد ذاته، بل منع وقوع الضرر قبل حدوثه.
من جانبه، أوضح سعادة الدكتور سعيد بن حارب اللمكي، وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية، أنّ المنظومة الصحية تعمل ضمن إطار متكامل يضم وزارة الصحة والخدمات الصحية والعسكرية والأمنية، إلى جانب القطاع الخاص، تحت مظلة المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، الذي يضطلع بدور محوري في التنسيق وتوجيه الجهود بين مختلف المؤسسات.
وقال سعادته إنّ الحالات المرتبطة بالأنواء المناخية والحالات الجوية شكّلت ضغطًا كبيرًا على المرافق الصحية، خاصة مع تأثر بعض المراكز الصحية وصعوبة الوصول إليها، الأمر الذي تطلّب تفعيل خطط طوارئ مرنة وتعزيز التكامل مع هيئة الدفاع المدني والإسعاف.
وأشار سعادته إلى أنّ التحدي لم يكن في توفر المنشآت الصحية بقدر ما كان في ضمان الوصول الآمن والسريع إلى خدمات الطوارئ، لا سيما مع تزايد الحالات الحرجة التي استدعت النقل إلى المستشفيات المجهزة، مضيفا: "كما استدعى الأمر إعادة توزيع الموارد الطبية والأدوية، وتحريك الفرق المختصة إلى المناطق الأكثر تضررًا، مع رفع جاهزية أقسام الحوادث والطوارئ التي استقبلت أعدادًا كبيرة من المصابين، غالبيتهم من فئة الشباب".
وبيّن سعادته أنّ بعض الحالات استدعت تحويلها إلى محافظات أخرى نظرًا لعدم توفر بعض التخصصات الدقيقة في جميع المناطق، وهو ما تم بالتنسيق مع الجهات المعنيّة، مؤكدا أنّ التجربة عكست قدرة المنظومة الصحية، بكافة مكوناتها، على الاستجابة الفاعلة والتعامل مع الظروف الاستثنائية بكفاءة عالية، بفضل التكامل المؤسسي والتنسيق المستمر بين مختلف الجهات
ولفت سعادته إلى أنّ عدد الحالات الناتجة عن المجازفة أو الحوادث في الأودية شكّل عبئًا إضافيًّا على المنظومة الصحية، حيث تنوعت الإصابات بين حالات حرجة تتطلب عناية مركزة، وأخرى متوسطة، وأخرى خضعت للتنويم.
وأشار العميد الركن مهندس علي بن سيف المقبالي، مساعد رئيس هيئة الدفاع المدني والإسعاف، إلى أنّ الهيئة استقبلت (515) بلاغًا أثناء الحالة الجوية "منخفض المسرّات"، منها (261) بلاغًا مرتبطة مباشرة بها. كما بلغ عدد (179) حالة احتجاز لأشخاص في مركباتهم في مجاري الأودية، و(55) بلاغ احتجاز أشخاص بمنازلهم، و(26) بلاغ احتجاز في مواقع مختلفة. كما سُجّلت (4) حالات غرق في الأودية والبرك.
وقال: "إنه من المؤسف أن عدد الوفيات بلغ (14) حالة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته، ويُعدّ هذا الرقم كبيرًا جدًا حتى عند مقارنته بحالات سابقة كالأعاصير".
وأكد أنّ نسبة نجاح عمليات الإنقاذ بلغت نحو (95%) استنادًا إلى هذه الإحصائيات، وذلك بفضل الله أولًا، ثم بجهود الجهات المعنيّة، وفي مقدمتها شرطة عُمان السُّلطانية ووزارة الصحة التي تعاملت مع الحالات التي تم إسعافها.
ولفت إلى أنّ هذا العدد الكبير من حالات الاحتجاز يعكس خطورة المغامرة في مجاري الأودية؛ فهي ليست مجازفة بحياة الشخص نفسه فحسب، بل بحياة أسرته ومستقبله، وكذلك بحياة رجال الدفاع المدني، داعيا المواطنين والمقيمين إلى التفكير مليًّا قبل الإقدام على مثل هذه المخاطرات، والتأكد من جدية البلاغات، إذ إن هيئة الدفاع المدني والإسعاف تعمل على أعلى المستويات، وتمتلك من المعدات والآليات ما يؤهلها لأداء مهامها.
وبيّن أنه مهما بلغت كفاءة وجاهزية رجال الدفاع المدني والإسعاف، فإن التحديات تظل قائمة، ولا يمكن تجاوزها دون وعيٍ مجتمعي راسخ، مع التعويل على وعي المجتمع العُماني الذي عُرف بوعيه وتكاتفه، كما شهدنا في منخفضات وأعاصير سابقة، حيث لم تُسجّل آنذاك مثل هذه الأعداد الكبيرة من حالات احتجاز المركبات في الأودية.
من جانبه، بيّن العقيد زايد بن حمد الجنبي، رئيس المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، أنّ الحالة الجوية "منخفض المسرّات" كانت استثنائية، تمثلت في أمطار غزيرة استمرت قرابة 9 أيام، ما أدى إلى كثافة في البلاغات وعمليات الاستجابة.
وأوضح أنّ اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، وبالاعتماد على بيانات المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة والمخاطر المتعددة، اتخذت عددًا من القرارات الاحترازية، من بينها تحويل الدراسة إلى التعليم عن بُعد في بعض المحافظات، وكذلك تطبيق العمل عن بُعد لمدة يوم واحد في مناطق محددة، وفقًا للتوقعات الجوية.
وبيّن أنّ هذه الإجراءات أسهمت في تقليل الخسائر البشرية، فيما تواصل اللجنة متابعة المستجدات على مدار الساعة ورفع التوصيات اللازمة بشكل فوري لاتخاذ القرارات المناسبة.
وفيما يتعلق بإدارة الاستجابة ميدانيًّا، أشار إلى أنّ المركز الوطني ينسق عمليات الإنقاذ بالتعاون مع الجهات المختصة، وعلى رأسها هيئة الدفاع المدني والإسعاف، إضافة إلى شرطة عُمان السُّلطانية وقوات السُّلطان المسلحة، وتُحدَّد الأولويات الميدانية وفق المعطيات المتوفرة بما يضمن سرعة الاستجابة واستمرار الخدمات الأساسية في آن واحد.
ولفت العقيد أحمد بن محمد الشجبي، مدير العمليات بهيئة الدفاع المدني والإسعاف، إلى أنّ مركز العمليات مُجهّز بشكل متكامل لاستقبال وتدفق المعلومات من مختلف المصادر، سواء من الجهات المختصة أو من المواطنين والمقيمين، بما يضمن سرعة الاستجابة ودقة التعامل مع البلاغات.
وبيّن أن هناك خططًا مسبقة لإدارة الأزمات تبدأ قبل وقوعها عبر الاستعدادات والتجهيزات اللازمة، ثم تُفعّل أثناء الأزمة من خلال تقييم مستمر وتحديث للإجراءات، على أن تُراجع بعد انتهائها لاستخلاص الدروس وتحسين الأداء.
وأشار إلى أنّ قطاع البحث والإنقاذ، بالتعاون مع الهيئة، يؤدي دورًا محوريًّا في التعامل مع الحالات الميدانية، انطلاقًا من أولوية قصوى تتمثل في حفظ الأرواح والوصول إلى المتضررين حتى في أصعب الظروف.
وأضاف أنّ تدفق المعلومات إلى غرفة العمليات يتم التعامل معه وتحليله بدقة، بما يتيح بناء صورة متكاملة عن الحدث وتوزيع المهام على الفرق الميدانية حسب الاختصاص، مع متابعة البلاغات وإدارتها بكفاءة وشفافية.
وفي ختام حديثه، أشار إلى أنّ المركز يعتمد على تقنيات حديثة في إدارة البلاغات، تشمل أنظمة إدارة الحدث، والخرائط الذكية، وتتبع المركبات، إضافة إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في رفع كفاءة الاستجابة وتوجيه الموارد إلى المواقع الأكثر احتياجًا بسرعة وفاعلية.
من جانبه، أشار فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان، إلى أنّ الدخول في الأودية ومجاري السيول وقت جريانها يُعدّ ارتكابًا لمخالفات شرعية لا تقف عند حد واحد، بل تتعدد أوجهها؛ فهذا السلوك يُعرّض الإنسان نفسه للهلاك، وقد قال الله تعالى: "ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، وقال: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا"، كما أنه يُعرّض حياة الآخرين للخطر، سواء من كانوا برفقته أو من يسعون لإنقاذه.
وقال فضيلته إنّ ذلك يندرج في عموم الأدلة الشرعية التي تنهى عن الإضرار بالنفس وبالغير، وفي القاعدة الفقهية الجامعة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»؛ فلا يجوز للمرء أن يُلحق الضرر بنفسه بسبب إهمال أو تقصير أو استهانة، ولا أن يتسبب في إلحاق الضرر بغيره.
وأفاد بأن من الأوجه كذلك ما يتعلق بحفظ المال، وهو من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها؛ إذ لا يجوز إتلاف الأموال أو التسبب في ضياعها، وقد قال تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا». فالمال قوام الحياة، وإهداره أو تعريضه للخطر مخالفة شرعية تستوجب المساءلة.
وذكر فضيلته أنّ هناك جانبًا آخر يتمثل في ترويع الآخرين وتعريضهم للخطر، لا سيما إذا كان قائد المركبة برفقة أسرته أو أطفال معه؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المؤمن، وبيّن خطورة ذلك، كما يندرج في ذلك مخالفة وليّ الأمر.
وبيّن فضيلته أنّ الأنظمة والقوانين التي تُسنّ إنما تهدف إلى حفظ الأنفس والممتلكات والنظام العام، وهي من باب السياسة الشرعية التي تحقق هذه المقاصد، وعليه فإن من يتعمّد مخالفة هذه الأنظمة يضيف إلى فعله بُعدًا آخر من المخالفات، لما يترتب عليه من إخلال بالنظام العام، كما أن هذا السلوك لا يمت بصلة إلى أخلاق الإسلام وآدابه، خاصة حين يُقصد به الاستعراض أو لفت الأنظار عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولفت فضيلته إلى أنّ الشرع وجّهنا إلى جملة من الإرشادات المرتبطة بالأحوال الجوية، كالدعاء عند هبوب الرياح ونزول الأمطار، والنهي عن السكن أو التواجد في بطون الأودية ومجاري السيول، ومن هنا فإن تعمّد المخاطرة في هذه المواطن يُعدّ مخالفة صريحة لهذه التوجيهات.
وأكد فضيلته أنّ هذه الجوانب مجتمعة تُبرز أهمية توظيف الخطاب الديني في رفع الوعي، ونشر هذه الأحكام بصورة صحيحة تصل إلى مختلف فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب وأصحاب المركبات ومن ينشطون في وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار فضيلته إلى أننا اليوم بحاجة إلى خطط وبرامج واضحة تستهدف الفاعل والناقل والمتلقي؛ فالمجازف يجب أن يُبيَّن له الحكم الشرعي، والناشر ينبغي أن يتحمّل مسؤوليته، والمتلقي عليه أن يُنكر هذا السلوك وألا يُسهم في الترويج له وعندها سيتكوّن وعي مجتمعي يحد من هذه الممارسات ويُضيّق على من يظن أنها ضرب من البطولة.
وشدّد فضيلته على أهمية ترسيخ الوعي المجتمعي بخطورة المجازفة بدخول الأودية، وعدم تبرير ذلك بوجود مواعيد أو التزامات، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، خاصة عندما تكون المخاطرة مهددة للحياة.
وأشار فضيلته إلى أنّ بعض السلوكيات التي يتم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي قد تُقدَّم أحيانًا بصورة بطولية عند اقتحام الأودية بالمركبات، ما ينعكس سلبًا على المتابعين ويُسهم في تطبيع السلوك الخطر دون إبراز جوانب الخطورة أو العواقب المحتملة.
وتضمنت الندوة عددًا من المحاور، أبرزها استعراض الحالة الجوية لمنخفض المسرّات، وتحليل آثاره على مختلف المحافظات، وجهود الاستجابة الوطنية التي نفذتها الجهات المعنيّة، إضافة إلى مناقشة آليات تطوير الجاهزية وتعزيز التنسيق المؤسسي في التعامل مع الحالات المماثلة.
وركزت الندوة على التجارب الميدانية والتحدّيات التي واجهت فرق الاستجابة، والحلول التي تم تطبيقها، بما يسهم في رفع كفاءة التعامل مع الحالات الجوية الطارئة مستقبلًا، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الالتزام بالإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، إضافة إلى التعريف بالمواد والإجراءات القانونية ودور الالتزام بها في تعزيز الاستجابة، بما يسهم في الحد من المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات.
واستعرضت الندوة البعد الديني في حفظ الأرواح، باعتباره من المقاصد الشرعية العظيمة، مع التأكيد على ضرورة الأخذ بالأسباب والالتزام بالإرشادات الوقائية التي تصون النفس والآخرين، انسجامًا مع التعاليم الدينية التي تحث على حفظ النفس البشرية وتجنب مواطن الخطر.
