اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان نموذجًا (1)

توافق اللجان الوطنية لحقوق الإنسان مع "مبادئ باريس"

 

 

أ.د. راشد بن حمد البلوشي **

تُعدُ مبادئ باريس لعام 1993م الصادرة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: (A/RES/48/134) المرجعية الدولية الأساسية لتنظيم عمل اللجان الوطنية لحقوق الإنسان؛ فهي تحدد معايير الاستقلالية، والتعددية، والصلاحيات، وآليات العمل لهذه اللجان، بحيث تُترجم هذه المبادئ في قوانين وتشريعات وطنية تضمن أن تكون هذه المؤسسات أدوات حقيقية لحماية وتعزيز الحقوق. لذا يهدف هذا المقال إلى تحليل العلاقة الترابطية بين القوانين الوطنية التي تنظم عمل اللجان الوطنية لحقوق الإنسان وبين مبادئ باريس.

ويعود ظهور مبادئ باريس إلى نهاية القرن العشرين عندما وجدت الأمم المتحدة حاجة إلى وضع معايير دولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان؛ حيث تزايد الاهتمام بإنشاء هيئات مستقلة داخل الدول لمراقبة وحماية حقوق الإنسان. وفي عام 1993م، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادئ باريس، التي أصبحت منذ ذلك الحين المرجع الأساسي للاعتراف الدولي بهذه المؤسسات، حيث جاءت هذه المبادئ استجابة للتباين الكبير في أداء المؤسسات الوطنية، وهدفت إلى وضع إطار موحد يضمن فعاليتها.

وتتضمن مبادئ باريس عدة عناصر رئيسية أهمها:

  1. الاستقلالية القانونية والمالية: وهي ضرورة أن تكون المؤسسات الوطنية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وهو شرطٌ جوهريٌ لنجاح أي لجنة وطنية.
  2. التعددية: وهي وجوب أن تضم اللجنة ممثلين من مختلف مكونات المجتمع المدني، بما في ذلك النقابات والأكاديميين والاتحادات العمالية والرياضية.
  3. صلاحيات واسعة: عبر منح المؤسسات حق تلقي الشكاوى، وزيارة أماكن الاحتجاز، والمرافق الصحية، وتجمعات العمال، باعتباره معيارًا أساسيًا لقياس الفعالية.
  4. التعاون الدولي والإقليمي: من خلال تشجيع المؤسسات على الانخراط في الشبكات الدولية.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين القوانين الوطنية ومبادئ باريس، فإن القوانين الوطنية هي الأداة التي تُحوّل المبادئ الدولية إلى واقع عملي داخل الدولة، فعلى سبيل المثال: إذا نصت مبادئ باريس على الاستقلالية، يجب أن يتضمن القانون الوطني مواد تضمن استقلال اللجنة ماليًا وإداريًا، وإذا تحدثت المبادئ عن التعددية، يجب أن ينص القانون على إشراك ممثلين من المجتمع المدني. لذلك، فإن أي قانون وطني يُعنى بتنظيم اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان ولا يتضمن هذه العناصر، يُفقد اللجنة شرعيتها الدولية ويحد من فعاليتها.

من هنا يأتي التوافق بين القانون الوطني ومبادئ باريس كشرط للاعتماد الدولي، حيث يمكن للجان الوطنية التي تتوافق قوانينها مع مبادئ باريس بشكلٍ كامل أن تحصل على اعتماد من اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد والتابعة للتحالف الدولي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI)، ويُعرف هذا الاعتماد بالدرجة "A"؛ حيث يمنح هذا الاعتماد اللجنة الحق في ان تشارك المؤسسات الأخرى من المركز "أ" مشاركة كاملة في عمل المؤسسات الوطنية واجتماعاتها على الصعيدَيْن الدولي والإقليمي بصفتها عضو يتمتّع بحقّ التصويت، كما يمكنها أن تشغل مناصب في مكتب التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أو أي لجنة فرعية ينشئها. ويمكنها أيضًا المشاركة في جلسات مجلس حقوق الإنسان والإدلاء بمداخلات في إطار أي بند من بنود جدول الأعمال، وتقديم الوثائق، وشغل مقاعد منفصلة.

وتوافق اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان مع مبادئ باريس الدولية له أهمية بالغة؛ سواء على المستوى الدولي؛ حيث يعزز صورة الدولة أمام المجتمع الدولي ويُظهر التزامها بحقوق الإنسان، أو على المستوى الوطني؛ حيث يمنح اللجنة القدرة على العمل بفعالية بعيدًا عن الضغوط السياسية. كما أنه على مستوى المجتمع المدني يضمن إشراك مختلف الفئات في حماية الحقوق، ويعزز الثقة الشعبية في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان.

ختامًا.. نعتقد أن مبادئ باريس لعام 1993 هي ضمانة حقيقية لحقوق الإنسان في كل دولة، وكلما كانت القوانين الوطنية متوافقة مع هذه المبادئ، كان صوت المواطن أقوى وحماية حقوقه أكثر فعالية؛ لذلك فإن المؤسسات الوطنية التي تتبنى هذه المبادئ تصبح جزءًا من منظومة الحكم الرشيد، وتساهم في تعزيز العدالة الاجتماعية والاستقرار.

** رئيس اللجنة العُمانية لحقوق الانسان

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z