عبدالنبي الشعلة **
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقتنا، تتجه أنظار دول مجلس التعاون الخليجي، بقدر كبير من الأمل، إلى صمود وقف إطلاق النار، وإلى استئناف المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران؛ باعتبارها المدخل الوحيد لتخفيف حدة التوتر، وفتح نافذة حقيقية نحو استقرار طال انتظاره.
غير أنَّ هذا الأمل المشروع لا يمكن أن يكون ساذجًا أو مطلقًا، بل يجب أن يكون محكومًا بقدر عالٍ من الحيطة والحذر، في ضوء التجارب السابقة وطبيعة السلوك السياسي للنظام الإيراني، الذي أثبت، مرارًا، أنه لا يتعامل مع التهدئة بوصفها هدفًا نهائيًا، بل باعتبارها محطة تكتيكية ضمن مسار أطول من المناورة والمُماطلة.
لقد شكّل انهيار المباحثات التي جرت في إسلام أباد، بوساطة باكستانية، مؤشرًا مُقلقًا على صعوبة الرهان على تغيير سريع في سلوك طهران، خاصةً في ظل إصرارها على المضي قدمًا في تطوير برنامجها النووي، وطرحها شروطًا تمس بشكل مُباشر أمن المنطقة، من بينها السعي لفرض واقع جديد في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية.
ولعلَّ ما يزيد من منسوب القلق، أن دول مجلس التعاون لم تكن، في المواجهات الأخيرة، بمنأى عن الاستهداف، بل كانت في صلبه؛ حيث طالتها النسبة الأكبر من الصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم عدم انخراطها في النزاع بشكل مباشر. وهو ما يعكس، بوضوح، أنَّ أمن هذه الدول ليس تفصيلًا هامشيًا في حسابات الصراع، بل ورقة ضغط رئيسية في الاستراتيجية الإيرانية.
ومع ذلك، فقد أثبتت دول الخليج العربية، بقياداتها، قدرًا لافتًا من الحكمة وضبط النفس، حين امتنعت عن الانجرار إلى ردود فعل عسكرية مُباشرة، رغم الاستفزازات والاعتداءات المتكررة. وهي سياسة تستحق التقدير، لأنها جنّبت المنطقة انزلاقًا خطيرًا نحو مواجهة شاملة، كان من شأنها أن تدفع الجميع ثمنها.
غير أن الحكمة، في مثل هذه السياقات، لا تعني الركون إلى الاطمئنان؛ بل تقتضي، في المقابل، رفع درجات الجاهزية، والاستعداد لمختلف السيناريوهات، خصوصًا عندما يكون الطرف الآخر نظامًا أيديولوجيًا ذا نزعة توسعية، يستمد جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية من استمرار التوتر الخارجي؛ فمثل هذه الأنظمة- كما علّمتنا تجارب التاريخ- تميل إلى تصدير أزماتها إلى الخارج، وخلق أعداء دائمين، لتبرير سياساتها، وتعزيز تماسكها الداخلي. وهي لا ترى في الاستقرار الإقليمي مصلحة مباشرة لها، بقدر ما ترى فيه تهديدًا لخطابها التعبوي، القائم على الصراع والمواجهة.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتداخل هذه النزعة الأيديولوجية مع بُعد تاريخي وثقافي، يستحضر أمجادًا إمبراطورية سابقة، ويغذي شعورًا بالتفوق والاستحقاق، في مقابل محيط يُنظر إليه، في بعض الخطابات، بوصفه خصمًا تاريخيًا. هذا المزيج بين الأيديولوجيا والسياسة والتاريخ، هو ما يمنح السلوك الإيراني طابعه المركّب، ويجعله أقل قابلية للتنبؤ.
ولعل المفارقة اللافتة، أن النظام الإيراني، منذ قيامه، رفع شعارات دينية وسياسية كبرى، من قبيل نصرة المستضعفين والدفاع عن القضايا العادلة، في الوقت الذي ظل فيه يوظف هذه الشعارات ضمن مشروع إقليمي يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويعيد إنتاج منطق النفوذ والتوسع، بأدوات وأساليب مختلفة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الطبيعة الثيوقراطية للنظام، التي تضفي عليه هالة من القداسة، وتمنحه قدرة إضافية على تعبئة الداخل، وتحصين قراراته من النقد، وهو ما يجعل من الصعب التعويل على تحولات داخلية سريعة تقود إلى تغيير جوهري في سياساته.
ومع ذلك، فإنَّ دروس التاريخ تظل حاضرة؛ فالتجارب تثبت أن الأنظمة التي تفرط في توجيه مواردها نحو التسلح والمشاريع التوسعية، على حساب التنمية والاستقرار الداخلي، إنما تضع نفسها، على المدى البعيد، أمام تحديات وجودية. ولعل تجربة الاتحاد السوفييتي، الذي انهار رغم امتلاكه ترسانة عسكرية هائلة، تظل مثالًا حيًا على حدود القوة عندما تنفصل عن متطلبات التنمية والاستدامة.
إنَّ دول مجلس التعاون، وهي تتابع هذه التطورات، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: من جهة، هناك حاجة ملحّة لدعم أي مسار تفاوضي جاد يفضي إلى خفض التصعيد، ومن جهة أخرى، هناك ضرورة لعدم الانخداع بأي تهدئة مؤقتة لا تستند إلى تغيير حقيقي في السياسات والسلوك.
في المُحصِّلة.. يظل الأمل في صمود وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات قائمًا، بل وضروريًا، ليس فقط لدول الخليج، بل للمنطقة والعالم بأسره. غير أن هذا الأمل يجب أن يُصاغ بوعي، وأن يُدار بعقلانية، بعيدًا عن الأوهام أو حسن النوايا غير المحسوبة؛ فالسلام الحقيقي لا يُبنى على هدنة مؤقتة، ولا على تفاهمات هشة؛ بل على مراجعات جادة، والتزام صادق بقواعد القانون الدولي، ومبادئ حسن الجوار. وحتى يتحقق ذلك، ستظل دول الخليج العربية مطالبة بالموازنة بين الانفتاح على فرص التهدئة، والاستعداد الدائم لحماية أمنها واستقرارها، في منطقة لا تزال، للأسف، مفتوحة على كل الاحتمالات.
** كاتب بحريني
