◄ "التضخم المستورَد".. موجة غلاء ناتجة عن التطورات الجيوسياسية تستنزف القوة الشرائية
الرؤية- ريم الحامدية
في ظل الأوضاع الراهنة التي يشهدها العالم من اضطرابات جيوسياسية حادة وتذبذب في سلاسل الإمداد العالمية، يُواجه المستهلك في سلطنة عُمان تحديًا اقتصاديًا مُتصاعدًا يتمثل في موجة غلاء غير مسبوقة طالت السلع الأساسية والخدمات الحيوية، هذا الارتفاع، الذي بات يؤرق المستهلك، لم يعد مجرد تذبذب عابر في الأسواق؛ بل تحول إلى ضغط هيكلي يستنزف القوة الشرائية ويضع منظومة الاستهلاك المحلي أمام اختبار صعب.
ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2026، سجل المؤشر العام لأسعار المستهلكين في سلطنة عُمان ارتفاعًا بنسبة 3.6% في شهر مارس 2026، مقارنةً بالشهر المماثل من عام 2025 لسنة الأساس 2018، بحسب البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، كما سجل متوسط التضخم خلال الربع الأول (يناير إلى شهر مارس 2026) ارتفاعًا بنسبة 2.3%.
وأظهرت البيانات تصدّر مجموعة السلع الشخصية المتنوعة والخدمات قائمة أكثر المجموعات ارتفاعًا، مسجلة ارتفاعًا في الأسعار بنسبة 13.8%، تلتها مجموعة النقل بنسبة 9.4%، ثم مجموعة المطاعم والفنادق بنسبة 5.8%. وجاءت مجموعة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في المرتبة الرابعة بارتفاع نسبته 4.3%، تلتها مجموعة الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية وأعمال الصيانة بـنسبة 3%، ومجموعة التعليم بنسبة 2.2%.
وعلى صعيد مجموعة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية خلال شهر مارس 2026م مقارنةً بالشهر المماثل من العام 2025، فقد سُجّلت ارتفاعات في غالبية البنود، تصدّرتها الخضراوات بـنسبة 15.6%، تليها الفواكه بـنسبة 10.7%، ثم المشروبات غير الكحولية بنسبة 3.4%. كما ارتفعت أسعار الأسماك والأغذية البحرية بنسبة بلغت 3.1%، والسكر والمربى والعسل والحلويات بنسبة 2.9%، والحليب والجبن والبيض بنسبة 2.4%، واللحوم بنسبة 1.8%، والخبز والحبوب بنسبة 1.2%، ومنتجات غذائية غير المصنّفة تحت بند آخر بنسبة 1%، والزيوت والدهون بنسبة 0.8%.
وأظهرت البيانات تفاوتًا في نسب التضخم بين محافظات سلطنة عُمان بنهاية مارس 2026م مقارنةً بالفترة المماثلة من العام السابق، حيث تصدّرت محافظة مسقط بأعلى نسبة ارتفاع بلغت بنسبة 4.5%، تلتها محافظة الظاهرة 4.2%، ثم محافظة الداخلية بنسبة 4.1%، ومحافظة البريمي بنسبة 3.9%. وسجّلت كل من محافظة مسندم ارتفاعًا بنسبة 3.1%، ومحافظة جنوب الباطنة بنسبة 3%، فيما بلغت نسبة الارتفاع في محافظة الوسطى بنسبة 2.8%، ومحافظة جنوب الشرقية 2.7%. أما محافظة شمال الشرقية فقد حققت ارتفاعًا بنسبة 2.6%، ومحافظة ظفار بنسبة 1.8%، في حين ارتفع التضخم في محافظة شمال الباطنة بنسبة 1.7%
وكشفت مقارنات أجرتها "الرؤية" استنادًا إلى مصادر مفتوحة والأسعار في الأسواق المحلية، عن زيادات كبيرة في الأسعار تعكس حجم العبء المعيشي على المستهلك؛ حيث شهد قطاع الخضراوات والفواكه زيادة وصفها البعض بـ"انفلات أسعار". وعلى سبيل المثال لا الحصر، قفز سعر كيلو الليمون من 800 بيسة إلى 1.700 ريال، وصعد سعر كيلو الطماطم إلى نحو 700 بيسة مقارنة بنحو 200 بيسة في بعض الأسواق.
ولم تتوقف موجة الغلاء عند هذا الحد، بل طالت السلع التموينية الأساسية التي لا يخلو منها أي بيت؛ إذ سجلت أسعار الثوم ارتفاعًا بنسبة قاربت الضعف، لتصل إلى 2.300 ريال مقارنة مع 1.200 ريال سابقًا. أما الفواكه، فقد بلغ سعر صندوق البرتقال 3.700 ريال، فيما ارتفع كيلو الموز ليتخطى 700 بيسة.
وتأكيدًا لحدة التأزم في القوة الشرائية، سجلت أسعار "زيوت الطبخ" ارتفاعًا لافتًا ومفاجئًا؛ حيث قفز سعر المنتج الذي كان يباع بـ5.300 ريال ليصل إلى 6.500 ريال في غضون فترة وجيزة، وهي زيادة حادة تجاوزت نسبتها 22% في سلعة استراتيجية واحدة.
وامتدت زيادات الأسعار لتطال القطاع الحيواني؛ حيث شهدت أسعار الأعلاف غلاءً وُصِف بـ"المُبالغ فيه"، بعد أن ارتفعت قيمتها إلى الضعفين مقارنة بأسعارها السابقة قبل التطورات الجيوسياسية في المنطقة، مما يُنذر بموجة غلاء مرتقبة في أسعار اللحوم المحلية والألبان، ويضع المربين والمستهلكين أمام مأزق اقتصادي مزدوج، لا سيما مع بدء العد التنازلي نحو عيد الأضحى المبارك، الذي يشهد إقبالًا مُتزايدًا على اللحوم.
وبحسب مراقبين، تكشف الحالة السائدة في الأسواق العُمانية عن تضخم مُستورَد ناتج عن تأثر السوق المحلي بالمتغيرات الخارجية؛ فالاضطراب المستمر في ممرات الملاحة الدولية، أدى بشكل مباشر إلى رفع كُلفة الاستيراد، والتي تجاوز الضعفين في كثير من الحالات. وهذا الواقع فرض على المُورِّدين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة رفع هوامش البيع لمواجهة تكاليف التشغيل المتصاعدة، ليجد المستهلك النهائي نفسه في مواجهة مباشرة مع نتائج هذه الدوامة الاقتصادية العالمية.
الجهات المعنية من جانبها تواصل أداء أدوارها؛ إذ تبذل هيئة حماية المستهلك جهودًا مضنية لمكافحة الاستغلال وضبط ارتفاع الأسعار؛ حيث أكدت الهيئة تنفيذ عدد من الحملات التفتيشية على الأسواق لضبط المخالفين، ومنع أي زيادة غير مبررة في الأسعار.
