هل تورَّث حساباتنا الرقمية بعد الوفاة؟ قراءة قانونية

 

 

 

 

د. حسن الحمراوي **

 

يُعد حق الملكية من أوسع الحقوق وأعمقها أثرًا في حياة الإنسان، فهو الذي يُخول صاحبه -في حدود القانون- السلطات الثلاث: الاستعمال، الاستغلال، التصرف.

ويقصد بالاستعمال: استخدام الشيء فيما أعد له بحسب طبيعته، كأن يسكن المالك داره أو يركب سيارته أو يقرأ كتابه.

أما الاستغلال: فهو الحصول على ما يتولد أو ينتج عن الشيء من ثمار، سواء كانت طبيعية كنتاج الحيوان، أو صناعية كالمحاصيل الزراعية المتولدة من فعل الإنسان، أو مدنية كالأجرة الناتجة عن الإيجار.

وأخيرًا: فإن التصرف يعني تحكم المالك في مصير ملكه، سواء كان تصرفًا ماديًا يتناول مادة الشيء بالتغيير أو التعديل أو الإتلاف، أو كان قانونيًا كأن يبيع المالك أرضه أو يهبها أو يثقلها برهن.

وقد نظَّم المرسوم السلطاني رقم (29/2013) بإصدار قانون المعاملات المدنية العُماني أسباب كسب هذه الملكية، فذكر منها إحراز المُباحات (المواد 851-857) وكسب الملكية بالخلفية (المواد 858-889) ومن بينها انتقال الملكية عن طريق الميراث أو الوصية.

غير أن التطور التقني الحديث أفرز نوعًا جديدًا من الملكية لا يقل شأنًا عن الملكية المادية، وهو ما يُعرف بـ"الأصول الرقمية"، التي أصبحت تمثل ثروة شخصية حقيقية لأصحابها، وهذه الأخيرة قد تنتقل وفق تعبير فقهاء القانون بوصفها ميراثًا أو وصية، وهما من الأنظمة قريبة الشبه من الأنظمة القانونية العربية والإسلامية، أو عبر نظام خاص عبر انتقالها بوصفها عقدًا نموذجيًا، وهذا الأخير نابع من التشريعات الحديثة المنظمة للأصول الرقمية، التي غلَّبت دور الإرادة في تحديد مآل ملكية تلك الأصول بعد الوفاة.

ويقصد بالأصول الرقمية: البيانات والنصوص، والرسائل الإلكترونية، والملفات الصوتية والمرئية، ومحتوى الوسائط والشبكات الاجتماعية، وسجلات الرعاية الصحية الإلكترونية، وبرامج الحاسوب وتراخيصها، وقواعد البيانات، وسائر المحتوى الرقمي ذي القيمة المالية أو المعنوية.

وقد كانت السوابق القضائية الأمريكية أول من تناول هذه القضية عمليًا؛ إذ أصدرت محكمة ميشيغان للوصايا (Michigan Probate Court) عام 2005 حكمًا لصالح أسرة أحد الجنود الأمريكيين الذين قُتلوا بالفلوجة بالعراق إبان الحرب هناك، ومنحتهم الحق في الاطلاع على محتوى بريده الإلكتروني المسجّل لدى شركة (Yahoo) لتُصبح تلك السابقة منطلقًا نحو تشريعات حديثة تنظم انتقال الأصول الرقمية بعد الوفاة.

ولعل مثالًا واضحًا يبرز القيمة الاقتصادية لبعض هذه الأصول، ما يحققه اللاعب كريستيانو رونالدو من عوائد رقمية ضخمة؛ حيث يعد أول شخص في العالم يتخطى حاجز 450 مليون متابع عبر منصة (Instagram) وما يزيد عن 700 مليون متابع على باقي منصات التواصل الاجتماعي الأخرى، ويتقاضى وفقًا لمجلة فوربس (Forbes) نحو 2.4 مليون دولار عن كل منشور إعلاني، لتصل أرباحه السنوية بين مايو 2022 ومايو 2023 إلى 136 مليون دولار، وهي ثروة رقمية قائمة بذاتها. وهو ما يزيد عن أربعة أضعاف ما كان يتقاضاه اللاعب سنويًا إبان لعبه في مانشستر يونايتد عام 2021م، ويلامس ما يتقاضاه مع نادي النصر السعودي في العام 2023م.

ورغم هذه الأهمية الاقتصادية والاجتماعية المتنامية، فإن انتقال ملكية الأصول الرقمية بعد الوفاة ما زال يواجه جملة من العقبات القانونية، من أبرزها:

  • التعارض مع الخصوصية الرقمية للمتوفى.
  • ارتباطها بالحق في النسيان أو محو البيانات.
  • احتمال تعارض محتواها مع النظام العام أو أحكام الشريعة الإسلامية.

· وجود أصول رقمية غير قابلة للقسمة أو التجزئة بين الورثة.

ورغم هذه التحديات، فإنَّ الفقه القانوني الحديث يفتح الباب أمام حلول عملية وتشريعية يمكن أن تُمهد الطريق لبناء نظام قانوني متكامل ينظم انتقال الأصول الرقمية بالوفاة، ويوازن بين حق الورثة في الإرث وحماية الخصوصية الرقمية للمتوفي.

وفي ضوء ذلك، فإن السؤال الجوهري الذي تطرحه المرحلة المقبلة، هو: كيف يمكن لمُشرِّعي القوانين العربية -وفي مقدمتهم المُشرِّع العُماني- أن يضعوا إطارًا قانونيًا يُراعي النظام العام الداخلي وأحكام الشريعة الإسلامية ويواكب الواقع التقني الجديد؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه تباعًا في مقالات مقبلة.

 

** أستاذ القانون المساعد في كلية الزهراء للبنات

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z