الحماية الجنائية للمواقع الإلكترونية الحكومية

 

 

د. تامر حامد القاضي **

حرصت سلطنة عُمان على تحقيق التنمية الشاملة وفق رؤية جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم "حفظه الله ورعاه"، لذا فقد أخذت مؤسساتها نهج التطور والتنمية المستدامة ضمن رؤية "عُمان 2040".

يمكن القول إن خطة التنمية المستدامة قد بدأت من خلال حرص سلطنة عُمان على استحداث القوانين المعاصرة التي تواجه الجرائم المستحدثة؛ حيث صدر المرسوم السلطاني رقم (12/2011) بشأن إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي يعد من أهم وأحدث القوانين العربية، بل العالمية، التي قدمت الحماية الجنائية للمؤسسات العامة والخاصة من خلال سرد النصوص القانونية المكافحة للجرائم الإلكترونية المستحدثة، سيما الجرائم السيبرانية الخطيرة، ويمكن الدلالة على ذلك بالإطلالة على أحكام المادة (6) من ذات القانون، التي وضعت الأحكام الموضوعية التجريمية والعقابية للأفعال المؤثَّمة الماسة بالمواقع الإلكترونية الحكومية، وما تحتويه من بيانات أو معلومات سرية بطبيعتها، مثل أسرار الدولة الأمنية أو العسكرية، أو التي تعد سرية بموجب أوامر بذلك، مثل الخطط الحكومية التي توجه ظروفًا استثنائية، على سبيل المثال.

تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن المُشرِّع العُماني قد جرَّم الدخول المتعمد لأي موقع يحتوي على المعلومات الإلكترونية على الشبكة المعلوماتية من خلال عنوان محدد، أو الدخول لأي نظام معلوماتي يحتوي على برامج وأدوات تستخدم في معالجة وإدارة البيانات والمعلومات الإلكترونية. وتُعد جريمة الدخول للموقع أو النظام من الجرائم العمدية القائمة على توافر القصد الجنائي لدى المجرم، المتمثل في قصد الحصول على البيانات أو المعلومات السرية؛ حيث رصد المُشرِّع عقوبة السجن مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألف ريال عُماني ولا تزيد على ثلاثة آلاف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لمقترف هذه الجريمة.

يمكن القول في هذا المقام إن المُشرِّع العُماني قد أدرك خطورة سلوك الدخول لهذه المواقع أو الأنظمة، حينما يسفر عنه نتيجة جرمية معينة، كأن يكون السلوك الإجرامي قد أفضى إلى إلغاء أو تغيير أو تعديل أو تشويه أو إتلاف أو نسخ أو تدمير أو نشر البيانات أو المعلومات الإلكترونية الحكومية السرية؛ حيث تُشدد العقوبات في هذه الحالات، ويتغير النموذج القانوني للجريمة، بحيث تصبح هذه الصور من الجنايات المعاقب عليها بعقوبة السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات، وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال عُماني ولا تزيد على عشرة آلاف ريال عُماني، عملًا بنص المادة (6) من المرسوم السلطاني رقم (12/2011) بشأن إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

وفي ضوء ما تقدم، يُلاحظ أن المُشرِّع العُماني قد أحسن صنعًا في صياغته التشريعية للصور الإجرامية الماسة بالمواقع الإلكترونية أو أنظمة المعلومات، على النحو الذي يكفل تحقيق سبل مكافحة هذه الجرائم؛ فالجريمة محل الدراسة تكتمل بمجرد الدخول المتعمد أو الدخول دون وجه حق، أي دون وجود صفة رسمية للمتهم تخوله حق الدخول أو الاطلاع، سيما أن النجاح الذي حققه التشريع العُماني في الشق العقابي يعد تطبيقًا لسياسة التدرج العقابي؛ فقد نظر المُشرِّع للنتائج الإجرامية لهذه الصور، وجعل منها بابًا للتشديد في العقوبات، بل أن تكون من جرائم الجنايات، ولعل ذلك يتناسب مع مبادئ القانون الجنائي السامية، ومن أهمها مبدأ التناسب بين جسامة الجريمة وشدة العقوبة.

صفوة القول.. إنَّ سلطنة عُمان قد بدأت خطة التنمية المستدامة الشاملة ومواجهة الجرائم المستحدثة منذ تشريع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ولما كانت الجرائم الإلكترونية لم تقف عند حد أو صورة معينة، بل أضحت جرائم متطورة ومنظمة وعابرة للحدود، خاصة بعد إقحام تقنية الذكاء الاصطناعي في شتى مناحي الحياة من ناحية، وتهديد الأمن السيبراني من ناحية أخرى، تقتضي هذه التنمية التطور أكثر من خلال تعديل هذا القانون لمواجهة هذه الجرائم المستحدثة، وبما يتفق مع رؤية "عُمان 2040"، تلك الخطة القائمة على رقمنة العمل المؤسسي والخدماتي على نحو متطور لا مثيل له في سرعة الإنجاز والجودة. ولا شك أن هذه التطلعات تحتاج إلى حماية جزائية تتماشى معها بشكل موازٍ، وعليه نوصي الجهات المعنية، وعلى رأسها مجلس عُمان، بإجراء التعديلات القانونية لهذا القانون بما يشمل مكافحة الجرائم المستحدثة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع الإبقاء على الأحكام الموضوعية في نص المادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتوصية بأن تكون محاكمة المتهم أمام دائرة قضائية مختصة بالجرائم الأمنية، وجلسات سرية حفاظًا على أمن سلطنة عُمان.

** أستاذ القانون الجنائي، مدير برنامج بكالوريوس الحقوق بكلية الزهراء للبنات

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z