د. خالد بن علي الخوالدي
تُعد وكالات الأنباء العالمية من المصادر الإعلامية الرئيسة في مجال نقل الأخبار، وهذه الوكالات تعمل ليلًا ونهارًا على رصد ونشر المعلومات والبيانات، وتتميز بالسرعة والحصرية، ولا يوجد ما يؤكد بأن أخبارها صحيحة دائمًا، ولكنها أكثر موثوقية في كثير من الأحيان، وفي حياتنا اليومية هناك وكالة إخبارية لا حدود لها، وتتواجد في الجلسات الرجالية والنسائية، ومع الأخيرة أكثر، هذه الوكالة هي "وكالة قالوا".
و"وكالة قالوا" تنشط وتكون فاعلة جدًا في الأحداث والحروب، ولكن أخطرها عندما يتم تشويه صورة إنسان عنوانها العريض (قالوا.. سمعت.. بلغني)، ومع تكرار هذه العبارات تتسلل الشائعة إلى الوعي الجمعي، فتتشكل صورة مشوهة عن أشخاص أو وقائع لا تستند إلى حقيقة ولا إلى دليل، وإنما إلى ظنون وأحاديث عابرة.
وتظل المجالس والرمسات مساحة دافئة للتلاقي وتبادل الأخبار والآراء، غير أن هذه المساحة بكل ما تحمله من دفء اجتماعي قد تنقلب في لحظة إلى ما يشبه وكالة أنباء غير رسمية، وهذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر خطورة؛ إذ لم تعد حبيسة المجالس التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، فأصبحت الشائعة تنتقل من جلسة محدودة إلى مجتمع كامل خلال دقائق، وهنا تتحول "وكالة قالوا" إلى مؤسسة غير مسؤولة، تبث أخبارًا بلا تحقق وتؤثر في سمعة الناس وحياتهم.
لقد حذر الإسلام بوضوح من هذا المسلك؛ حيث قال المولى سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ" (الحجرات: 12)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع". وهذا الحديث الشريف يُلخِّص المشكلة بدقة، فمجرد نقل كل ما يقال دون تثبت أو تحقق هو شكل من أشكال الكذب، حتى وإن لم يقصده الناقل.
ولعل من أبرز صور هذه الظاهرة ما نسمعه في بعض الجلسات من تداول قصص عن أشخاص، تتعلق بحياتهم الخاصة أو مواقف لم تُعرف حقيقتها، فتُروى بتهويل وتُضاف إليها تفاصيل من الخيال (بهارات مخلوطة) حتى تصبح قصة مكتملة يتناقلها الجميع، وربما يبدأ الأمر بجملة عابرة (سمعت عن فلان)، ثم تتحول إلى حكم قاطع على سمعته ومكانته.
وفي واقعنا شهدنا حالات تضرر فيها أشخاص بسبب هذه الأحاديث؛ حيث انتشرت شائعات عن موظف أو تاجر أو حتى أسرة، أدت إلى تشويه صورتهم رغم أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، بعضهم احتاج سنوات ليعيد بناء سمعته، وبعضهم لم يتمكن من ذلك أبدًا، وهنا تتجلى خطورة الكلمة حين تُقال بلا مسؤولية.
المشكلة لا تكمن فقط في ناقل الخبر الذي يتحمس في النقل، ولكن أيضًا في المتلقي، فقبول هذه الأحاديث دون تمحيص والمشاركة في نشرها يجعل كل فرد جزءًا من هذه الوكالة السلبية، ولذلك فإن المسؤولية جماعية، وتبدأ من الوعي بخطورة الكلمة وتنتهي باتخاذ موقف واضح من هذه السلوكيات.
وفي المقابل يكون الصمت أحيانًا كثيرة حلًا راقيًا وحكيمًا، فليس كل ما يُقال يُقال، وليس كل ما يُسمع يُنقل، وقد قيل: "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"؛ فالصمت في مواضع الشبهات هو حماية للنفس من الوقوع في الخطأ، وحفظ لهيبة الإنسان ووقاره، والمجالس ينبغي أن تكون فضاءً للخير، تتداول فيها الأفكار البناءة وتناقش القضايا التي تخدم المجتمع، لا أن تتحول إلى منصات للنيل من الآخرين، فالكلمة أمانة، ومن يحملها دون وعي قد يهدم بها ما لا يُبنى بسهولة.
إن لم نجد ما نقوله نفعًا فالصمت أولى، فهو أستر للعيوب، وأحفظ للحسنات، وأدعى للهيبة، أما "وكالة قالوا" فلن تجني منها المجتمعات إلا الخسائر.
ودمتم، ودامت عُمان بخيرٍ.
