شمسة الريامي
لم يكن العُماني يومًا يطلب الكثير ليصنع فرحته، كانت المناسبة تُقاس بصدقها لا بكلفتها، وبلمّة القلوب لا بتناسق الطاولات. كان العرس أو المناسبات الأخرى تبدأ وتنتهي بما تيسّر، ويخرج الجميع وهم ممتلئون بالرضا لا بالإرهاق، وبالذكرى لا بالديون.
في الماضي، كان الأرز واللحم سيّدي المائدة، يتبعهما فنجان قهوة عُمانية تفوح برائحة الهيل، وحلوى تُقدَّم باعتزاز، أو تمرٌ طيّب وبعض الفاكهة الموسمية. لم يكن هناك حديث عن "بوفيه مفتوح"، ولا سباق محموم في تنوّع الأصناف أو تنسيق الألوان. كانت البساطة عنوان المناسبة، وكان الكرم يُقاس بالنية، لا بعدد الأطباق.
اليوم، تغيّر المشهد، دخلت المظاهر على خط الفرح، وفرضت شروطها الصامتة، أصبحت المناسبات، حتى العائلية منها، أقرب إلى استعراض غير مُعلن، بوفيهات عامرة بما لذّ وطاب، مشروبات متنوّعة، طاولات مصفوفة بعناية، وزينة تُحاكي حفلات الفنادق، وكأن الفرح لم يعد مكتملًا إلا إذا أُعلن عنه بصريًا وبذخًا.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل من ثقافة اجتماعية جديدة غذّتها المقارنات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وهاجس "ماذا سيقول الناس؟". فشيئًا فشيئًا، تحوّل الفرح من قيمة إنسانية إلى عبء اجتماعي، ومن مناسبة للّقاء إلى مساحة للقياس والمقارنة.
الأكثر إيلامًا في هذا المشهد هو الإحراج الصامت الذي تشعر به بعض الأسر، أسرٌ كانت تكتفي بما استطاعت، فتجد نفسها مدفوعة -دون قناعة- إلى مجاراة هذا التيار، لا لأنها تريد، بل لأنها تخشى أن تُتّهم بالتقصير، أو أن تُوصم بالبخل، أو أن تُقارَن بغيرها، وهكذا يتحوّل الفرح إلى ضغط، والاحتفال إلى التزام ثقيل.
المفارقة أن روح المجتمع العُماني، المتجذّرة في التواضع والتكافل، لم تتغيّر في جوهرها، لكن المظاهر غطّت صوتها. فالعُماني بطبعه لا يزال كريمًا، ولكن الكرم لم يعد يُفهم كما كان، ولم يعد يُقدَّر ببساطته، بل بمقدار ما يُقدَّم وما يُرى.
ليست الدعوة هنا إلى العودة إلى الماضي، ولا إلى رفض كل مظاهر التطور، فالمجتمع بطبيعته يتغيّر، والذائقة تتطوّر. لكن السؤال الجوهري: هل نملك الشجاعة لنُبقي على روح البساطة ونحن نواكب العصر؟ هل نستطيع أن نعيد تعريف الفرح بعيدًا عن المبالغة، ونذكّر أنفسنا بأن القيمة ليست في الكلفة، بل في اللمّة؟
إن أبسط مناسبة، إن خلت من الصدق، لا قيمة لها، وأفخم وليمة، إن أثقلت كاهل أصحابها، تفقد معناها، فربما نحتاج اليوم إلى مراجعة هادئة، نُعيد فيها الاعتبار للبساطة التي لم تكن يومًا فقرًا، بل كانت حكمة، ولم تكن تقصيرًا، بل كانت اتزانًا. فالمجتمع الذي عرف كيف يفرح بالقليل، لا ينبغي أن يُرهق نفسه بالكثير.
