فايزة بنت سويلم الكلبانية
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لمدة أسبوعين، في خطوة تهدف إلى احتواء التصعيد العسكري وفتح نافذة جديدة للمسار التفاوضي، فإنه ربما يُنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه محطة مؤقتة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية والعسكرية، أكثر من كونه نهاية فعلية للصراع، في ظل تعقيدات المشهد وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
وعلى الصعيد الأوسع، فإن هذه التطورات تعكس -وفق عدد من مراكز الدراسات- تسارع التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؛ حيث لم تعد الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها مراكز الثقل؛ بل بدأت قوى إقليمية، من بينها إيران، تفرض حضورها كلاعب مؤثر في معادلات الطاقة والأمن، وهو ما دفع بعض التحليلات الغربية للحديث عن تشكّل مركز رابع للقوة العالمية.
وبحسب ما يُتداوَل في التحليلات السياسية، فإن إيران دخلت هذا المسار التفاوضي واضعةً مجموعة من الشروط التي تعكس تحولًا ملحوظًا في موقعها التفاوضي خلال السنوات الأخيرة. ومن أبرز هذه الشروط وقف كامل للضربات على أراضيها أو مصالحها، والاعتراف بدورها الإقليمي كقوة مؤثرة، إلى جانب رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية، وضمان عدم استهداف منشآتها النووية أو العسكرية، ووقف العمليات ضد حلفائها في المنطقة، إضافة إلى تأمين حرية الملاحة والتجارة في الممرات الحيوية دون تهديد.
وفي المقابل، تتباين القراءات حول نتائج المواجهة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يرى بعض المحللين أن طهران نجحت في فرض معادلة ردع جديدة، بينما يرى آخرون أن المشهد أكثر تعقيدًا، ولا يمكن اختزاله في ثنائية "انتصار أو هزيمة"؛ نظرًا لتعدد أدوات الصراع بين الضغط الاقتصادي، والهجمات السيبرانية، والعمليات العسكرية المحدودة، إضافة إلى حروب النفوذ في أكثر من ساحة.
وفي سياق هذا الجدل، تتصاعد أصوات إعلامية ترى أن إيران تمكنت من إفشال عدد من الأهداف الاستراتيجية التي سعت إليها واشنطن وتل أبيب، مثل تغيير النظام أو فرض استسلام غير مشروط، مقابل استمرار النظام السياسي، والحفاظ على قدرته التفاوضية، واستمرار برنامجه الصاروخي، بل وتعزيز أدوات الردع الإقليمي. ومع ذلك، تبقى هذه القراءات ضمن إطار السجال السياسي والإعلامي، في ظل غياب تقييمات دولية حاسمة تُجمع على نتائج محددة.
ولذلك نعتقد أنه لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق إلّا كمرحلةٍ ضمن مسار طويل من إعادة التموضع الاستراتيجي؛ حيث تتداخل أدوات القوة الصلبة والناعمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وبين روايات النجاح والفشل، يبقى المؤكد أن مستقبل المنطقة سيتحدد بقدر ما تفرضه طاولات التفاوض، كما تُحدِّده موازين الردع العسكري على الأرض.
