الأمطار تكتب حكايات تعاون لا تنتهي

 

 

شمسة الريامية

 

عاشت عُمان خلال الأيام الماضية على وقع أمطارٍ مباركةٍ توزعت قطراتها على القرى والولايات، فأنعشت الأرض، ورسمت على وجوه الناس ملامح الفرح والطمأنينة. ولم تكن مجرد سُحب عابرة؛ بل كانت حالة من الحياة تتجدّد مع كل قطرة، وتعود معها الأمنيات القديمة لتتنفس من جديد.

ومع انهمار المطر وما خلّفه من تجمعات مياه وجريان الأودية، برز الوجه الحقيقي للمجتمع العُماني، وجهٌ يتقدم فيه الإنسان على الحدث، وتُقدّم فيه قيم التعاون والإيثار على أي مشهد آخر. فلم تكد الأمطار تهدأ، حتى تحركت المجموعات التطوعية، شبابًا وكبارًا، يدًا بيد، يحملون معدات التنظيف ويجوبون الشوارع والمزارع والمحلات التي تضررت من السيول؛ بعضهم يكنس الشوارع، وآخرون يرفعون المخلفات، وغيرهم يفتح مجاري المياه العالقة. مشهدٌ يعكس وعيًا جماعيًا متأصّلًا، وروحًا عُمانية عرف عنها الوقوف صفًا واحدًا أمام كل ظرف.

ولم يكُن ممثلو المجتمع بعيدين عن هذه المشاهد، إذ خرج عدد من أعضاء المجلس البلدي يتجولون بين الأهالي، يطمئنون على أحوالهم، ويجمعون الشباب للتعامل مع آثار الأمطار، بما يضمن عودة الحياة سريعًا إلى وضعها الطبيعي.

وليس هذا السلوك جديدًا على المجتمع العُماني؛ فقد رأى العالم كله صورًا حيّة لهذه الروح خلال إعصار شاهين قبل أعوام، عندما تدفقت الوفود من كل ولاية ومحافظة نحو المناطق المتضررة في شمال وجنوب الباطنة. كان العُمانيون وقتها -كما هم الآن- يتسابقون إلى الخدمة، ينظفون المنازل، ويمهدون الطرق، ويرفعون الركام، ويرممون النبض في الأماكن التي أرهقها العابر الجوي.

إن هذه المشاهد لم تكن مجرد ردة فعل على حالة مناخية؛ بل كانت درسًا جديدًا في الإنسانية، وفي معنى أن يكون الوطن أكبر من مكان، أن يكون روحًا تجمع أبناءه على الخير، وتعبر بهم كل أزمة، أقوى مما كانت عليه قبلها.

ومع كل هذه الجهود العفوية والصادقة، تبقى المرحلة المقبلة مرحلة تفكير وتخطيط. فمياه الأمطار، على جمالها وبهجتها، تحتاج إلى بنية حديثة لتصريفها، ودراسات أدق قبل منح الأراضي في محيط الأودية، وبرامج توعوية تحث الناس على عدم المغامرة وعدم تخطي مجاري الأودية في ذروة جريانها.

ففي عُمان، حين يتساقط المطر… تتساقط معه قصص النبل، وتتجدد سيرة شعبٍ لا يعرف إلا أن يكون سندًا لأرضه ولأهله، مهما اختلفت الفصول.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z