الخلطة السحرية لنجاح المؤسسات العُمانية

 

 

 

أ.د هشام البحيري **

 

خريطة الطريق [4+2]

منذ أن ظهر الإنترنت، حدث تطور كبير في الكثير من الأنشطة والأعمال ووسائل الاتصال، ولقد تسبب هذا التطور السريع في استخدام تكنولوجيا المعلومات والرقمنة في ظهور أنماطٍ متنوعة من المديرين المغامرين، والذين تمكنوا من جعلنا ننسى ما تعارفنا عليه قديمًا، ما كنا نسميه (دورة الأعمال التقليدية).

ومع تزايد روح المغامرة، بدت الكثير من المنظمات وكأنها تحقق النجاح بسرعة كبيرة، ولكنها في الواقع كانت تنطلق نحو الفشل بسرعة أكبر!

وعندما أطل علينا القرن (21) منذ 26 عامًا، جاء وهو يحمل في طياته العديد من المتغيرات الصعبة، التي تسببت في تعقد أساليب العمل الإداري في كافة دول العالم، ولكن الصعوبة قد تجسدت بشكل أكبر في الدول النامية، لما تعانيه من ضعف إداري في الكثير من الأروقة الحكومية، فأصبحت حالة المؤسسات فيها تتأرجح ما بين النجاح والفشل بسرعة أكبر من المتوقع.

ونسعى من خلال هذا المقال إلى الكشف عن (السر) الذي يتسبب في نجاح بعض المؤسسات، وفي فشل البعض الآخر بشكل سريع.

لقد حاولت طوال حياتي العلمية والمهنية والتطبيقية -أربعون عامًا- وأثناء عملي خبيرًا في التطوير المؤسسي في العديد من الدول العربية، استخلاص الأسباب التي تجعل بعض المنظمات العربية تنجح، والأسباب التي تجعل البعض الآخر يفشل، ولقد أجريت خلال عمري الأكاديمي والمهني العديد من الدراسات والبحوث في هذه النقطة تحديدًا، واستخدمت أحدث أدوات التحليل الإداري والاستراتيجي في فحص وتحليل ما يزيد عن 200 منظمة أعمال عربية تعمل في مجالات وقطاعات مختلفة، مستغلًا فرصة العمل كاستشاري في العديد من المؤسسات العربية الكبرى مثل مجموعة بن لادن السعودية، ومجموعة هائل سعيد أنعم في اليمن، والعديد من المؤسسات الشرطية مثل شرطة أبوظبي وشرطة دبي، بجانب العمل مستشارًا إداريًا في الأكاديمية العسكرية العليا في مصر، والكلية العسكرية لعلوم الإدارة، بجانب عملي أستاذًا في أكبر الجامعات العربية مثل جامعة القاهرة وجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وكليات الشرق العربي بالرياض، وها أنا في جامعة البريمي مؤخرًا في سلطنة عُمان الحبيبة.

نتائج أبحاثي ودراساتي الميدانية والتطبيقية، بالإضافة إلى رصيد تجاربي الشخصية، قد تمخضت عن اكتشاف أسباب جوهرية تفسر (نجاح / فشل) العديد من المنظمات العربية، والتي أستعرضها لكم في هذا المقال، واضعًا رصيدي الفكري والمعرفي بين أيدي المديرين في المؤسسات العُمانية لكي يحققوا الاستفادة منه.

وأسباب النجاح المؤسسي تشمل 4 أسباب رئيسة، و4 أسباب ثانوية، ونصيحتي للمسؤولين عن الإدارة في كافة المؤسسات العُمانية -حكومية كانت أم خاصة، وكبيرة كانت أم صغيرة- أن عليهم تطبيق أسباب النجاح الرئيسة الأربعة كلها، بالإضافة إلى سببين على الأقل من الأسباب الفرعية، ولذلك فقد أطلقت على هذه الخلطة السحرية مصطلح خريطة الطريق (4+2).

ولن أخفي عليك، عزيزي القارئ، أن الطريق الذي سلكته لرصد أسباب النجاح الثمانية (الرئيسة والفرعية) لم يكن طريقًا سهلًا، فلقد اضطررت إلى تقسيم أكثر من 200 شركة عربية إلى أربع فئات رئيسة، وتم تشخيص أوضاعها على فترتين فرعيتين، طول كل فترة منهما (6 سنوات)، حيث بدأت الفترة الأولى من عام 1992 وحتى عام 1998، أما الفترة الثانية فقد بدأت من عام 1998 وانتهت عام 2024، وها أنا أستعرض لك، عزيزي القارئ، نتائج 12 عامًا من الدراسات المقارنة في السطور القادمة.

تم تصنيف المؤسسات العربية موضع الدراسة إلى:


1- مؤسسات ناجحة، حققت تلك المؤسسات نتائج إيجابية خلال الفترتين (12 سنة).

2- مؤسسات صاعدة، وهي مؤسسات بدأت تحقق نتائج إيجابية في السنوات الخمس الأخيرة من الدراسة.

3- مؤسسات هابطة، وهي مؤسسات بدأت بنتائج إيجابية في السنوات الخمس الأولى، ثم اتجهت للفشل في السنوات الخمس الأخيرة.

4- مؤسسات فاشلة، وهي تلك المؤسسات التي حققت نتائج سلبية خلال فترة الدراسة، أي في السنوات الست الأولى والثانية.

وبعد أن قمت بتجميع مجموعة كبيرة من البيانات والمعلومات الدقيقة عن هذه المؤسسات، وأجريت العديد من المقابلات والزيارات الشخصية مع بعض المديرين والموظفين الذين يعملون في معظمها، وبعد أن جمعت أكثر من 16000 ورقة بيانات، بغرض تحديد درجات نجاح كل شركة من هذه الشركات التي يبلغ عددها 200 شركة عربية، من أجل تصنيفها حسب التصنيفات الأربعة [ناجحة / صاعدة / هابطة / فاشلة]، كان لا بد أن أستخدم مجموعة من المعايير لتحقيق هذا الغرض، وهذه المعايير التي استخدمتها هي:

  • قيمة الأرباح السنوية المحققة.
  • معدل الزيادة السنوية في المبيعات.
  • قيمة السهم في سوق الأوراق المالية.
  • معدل العائد على الاستثمار.

وبعد ذلك، قمت بدراسة عدد من الأسباب الفردية التي يظن الكثير من الممارسين ورجال الأعمال والخبراء أنها من الممكن أن تقود المؤسسات إلى النجاح بمفردها، ومن هذه الأسباب:

  1.  تطبيق التكنولوجيا المتقدمة.
  2.  تطبيق برامج قيادة التغيير باحترافية.
  3.  الإدارة الفعالة للمواهب.
  4.  الاستفادة من التغذية العكسية الواردة من نظام 360 درجة.
  5.  التحسين المستمر.

ولكي أتبين مدى انتهاج كل مؤسسة من تلك المؤسسات موضع الدراسة لكل سبب من الأسباب الفردية للنجاح، فقد بدأت أمنح كل منظمة من المنظمات محل الدراسة درجة تتراوح ما بين (1-5)، بحيث واحد تعني أنها ضعيفة، وخمسة تعني أنها متميزة، ولكنني، بعد تدقيق كبير، اكتشفت عدم وجود علاقة بين أي من هذه الأسباب الفردية وبين نجاح المؤسسات العربية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن أجل ذلك، فقد أيقنت أن الكثير من المؤسسات الناجحة لا تعتمد على الممارسات الفردية السابق الإشارة إليها فقط في تحقيق النجاح، كما اكتشفت أن العديد من المنظمات العربية الفاشلة قد حصلت على درجة عالية من تلك الممارسات الفردية، ولكنها في ذات الوقت كان مصيرها الفشل، وهذا كله جعلني أستنتج أن "النجاح لا يعتمد على أسباب فردية، بل يعتمد على توليفة من الأسباب أقدمها كروشتة علاج للمديرين العُمانيين"، وقد قسمتها إلى مجموعتين من الأسباب:

المجموعة الأولى: الأسباب الرئيسة الأربعة، والواجب توافرها مجتمعة لتحقيق النجاح، وهي:

  1.  توافر استراتيجيات واضحة ومحددة للعمل.
  2. التنفيذ الكفء للأعمال بغية إرضاء العملاء.
  3. توافر ثقافة تحفيز إيجابية دافعة للعمل، وليس ثقافة مُكبلة للأداء.
  4. تطبيق نظام التنظيم الأفقي (اللامركزية في الأداء) بدلًا من النظام الهرمي السائد حاليًا (المركزية في الأداء)، حيث يعد النظام الأخير نموذجًا فجًا لسحب الثقة من المستويات الإدارية الوسطى والمباشرة، وتركيزها في أيدي الإدارة العليا فقط، كما يتم سحب الثقة من الفروع والأقسام وتركيزها أيضًا، وهذا بلا شك يقود القدرات التنافسية للمؤسسات ويتسبب في بطء الأداء وظهور البيروقراطية العقيمة.

 

المجموعة الثانية: الأسباب الفرعية (الثانوية) لتحقيق النجاح، وهي:

  1. تكوين مجموعة من المواهب المحورية والحفاظ عليها، وعدم السماح لهم بترك العمل، وهذا على عكس المنظمات الفاشلة التي تتسم بهروب المواهب منها إلى المنظمات الناجحة.
  2. توافر إدارة عادلة، تدير الأداء بشكل عادل وموضوعي، بعيدًا عن الشخصنة، مع عدم السماح بممارسة السيطرة على الأفراد لأسباب شخصية بعيدة عن الاعتبارات العملية والموضوعية.
  3. ممارسة الابتكار بشكل مستمر، وبشكل متفوق على المنافسين، وذلك لأن الإصرار على نفس المنتجات ونفس الحلول هو حال الكسول، وهذا يسبب الفشل.
  4. إبرام العديد من الصفقات الصحيحة والناجحة، شريطة السماح بمشاركة المنفذين في صناعة القرارات قبيل اتخاذها.

وفي الختام.. أنصحك، عزيزي المدير العُماني، في كل موقع وفي كل مكان، أن تطبق الوصفة السحرية لتحقيق النجاح [خريطة الطريق 4+2] كالتالي: أولًا: احرص على تطبيق (الأسباب الأربعة) الرئيسة للنجاح، ثم عليك ثانيًا: الحرص على تحقيق اثنين- على الأقل- من الأسباب الثانوية الأربعة؛ وبذلك فأنت تستطيع تحقيق النجاح المنشود عن طريق خريطة الطريق (4+2).

** أستاذ إدارة الأعمال بجامعتي القاهرة والبريمي

الأكثر قراءة

z