شمسة بنت عبيد بن سالم الهنائية **
أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلغة عربية فصيحة، فحفظها من الضياع، وأتاح لها البقاء والانتشار، وحمل مرويات العرب من أشعار وأحاديث نبوية شريفة، ومعطيات في تفسير كتاب الله، وخطب وأمثال وأسجاع، وعلوم أخرى في الشريعة، وفي اللغة ذاتها إلى أن كان عصر التدوين، فدُوّنت العلوم وانتشر التأليف بها.
ولم تمض فترة طويلة من الزمان حتى غدت المكتبة العربية زاخرة بعلوم شتى في الحديث متنه وسنده والسيرة والغزوات وأخبار الملوك ورسائل اللغة، ووجوه التفسير، ودواوين القبائل والشعراء وتلكم الكتب التي أُلّفت في النحو والأدب، وسوى ذلك كثير، غير أن هذا النتاج الذي جاء في مجالات متنوعة من العلوم الإنسانية والذي استمر طيلة قرون العربية، لو تصفحه متصفح لرأى غلبة الطابع الأدبي عليه، ورأى كذلك أنّ ما أُلف في الحديث والسيرة والتاريخ يعج بنصوص أدبية راقية.
وقلَّ الأمر نفسه في كتب الطبقات والرحلات، وكتب الوعظ والإرشاد، والتصوف والزهد، وكتب الإصلاح والدين والأخلاق والاجتماع والفلسفة والجغرافية البشرية، وفي بحوث علمية ودينية أخرى، وفي الكتب التي سجل فيها المؤلفون خواطرهم وتجارب حياتهم، والكتب التي دوّنوا فيها ملاحظاتهم وانطباعاتهم، وأفكارهم، وما يجول بخواطرهم وقلوبهم، ورووا فيها قصص حياتهم وسيرتهم.
وعُمان الأدب والتأليف ليست ببعيدة عن هذا المجال، ففي كتب مؤلفيها ومؤرخيها وعلمائها مثل هذا التوجه الأدبي لموضوع غير أدبي في أصله من نحو كتب الفقه والدين والتراجم، والبحوث باختلاف أنواعها، وغيرها من المؤلفات، غير أنّ هذا النتاج وإن طُبع بطابع الأدب بقي مطمورا، ولم يحظَ بانتباه مؤرخي الأدب واهتماماتهم.
ولو تساءلنا عن سبب ذلك وعلته لوجدنا أن الأدب العربي أصيب بمحنة أصيب بها أدب كل أمة، فهي محنة تكاد تكون طبيعية ومطردة للآداب واللغات إلا أنّ آجالها تختلف، فقد يطول أجل هذه المحنة في أدب قوم، ويقصر في أدب قوم آخرين، ويرجع ذلك إلى الأحوال الاجتماعية والعوامل السياسية وحركات الإصلاح والتجديد، والبعث الجديد.
ولو أننا أردنا معرفة ماهية هذه المحنة التي أصيب بها الأدب العربي لوجدنا أنَّ هذه المحنة هي تسلط أصحاب الصناعة والتكلف على هذا الأدب الذين يتخذونه حرفة وصناعة ويحتكرونه احتكارًا ويتنافسون في تنميقه وتحبيره ليثبتوا به براعتهم وتفوقهم ويصلوا به إلى أغراضهم، ويستمر ذلك ويستفحل حتى يصبح الأدب مقصورًا عليهم مختصا بهم، ويأتي على الناس زمان لا يفهم من كلمة "الأدب" إلا ما أثر عن هذه الطبقة من كلام مصنوع وأدب تقليدي لا قوة فيه ولا روح، ولا متعة ولا لذة.
وقد فطن الأوربيون لمثل هذا الأدب الطبعي؛ حيث نجد في آدابهم فصولا ممتعة عن التاريخ والمؤرخين والفلسفة والفلاسفة والاجتماع وعظمائه، وكلها حافلة بأدبيتهم الرائعة، فمثلا نجد عند اليونان مطولات قديمة ذات طابع تعليمي، وعلى الرغم من ذلك فهي تحتفظ بالصور والأخيلة، والقيم الجمالية وغيرها التي تميّز بها الشعر. كما أن "الأعمال والأيام" مطولة للشاعر اليوناني (هيزيودوس) يتحدث فيها عن مواسم العمل في الريف، وأنواع الزراعات والمحاصيل التي تزرع في المواسم، ويعد حديثًا عامرًا بخصائص الشعر وروحه وأسلوبه، وبقيمه الجمالية. وهناك قصيدة أخرى رائعة بعنوان "طبائع الأشياء" للشاعر الروماني (لوكريشيوس) يتحدث فيها عن الحياة ونشأتها، ووجود الإنسان والحيوان والنبات، فهو حديث يجمع بين العمق الفلسفي وروح الشعر المجنح.
ومن هذا المنطلق كان تعريف الأوربيين للأدب على النحو الآتي "كل ما يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية، أو انفعالات عاطفية أو هما معا"، والمقصود بخصائص الصياغة كما ذكر مندور: الشكل الفني، كأن يكون ملحمة، أو قصة، أو مقالة، أو قصيدة، ثم طريقة الأداء اللغوي، فالكلام العادي لا يعدُّ أدبا؛ لأنه ليس له خصائص الأسلوب الأدبي اللغوية.
والمقصود بالاحساسات الجمالية اعتبار الأدب فنا جميلا، فإذا فقد القيم الجمالية فقد كونه أدبا، أما الانفعالات الأدبية فلابد أن يتضمن الأدب حرارة العاطفة، وإلا انقلب إلى حقائق علمية أو رياضية تخرجه عن كونه أدبا. وحتى عندما يكون العمل الأدبي قائما على الفكر يجب أن يتضمن الحرارة القادرة على أن تحرك وجدان الإنسان.
ومثل هذه النظرة الواسعة للأدب ومعطياته، وما ينجم عنها من قبوله لمدونات لم تكتب لفرض أدبي محض لم تلق قبولا عند مؤرخي الأدب، إلا أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نفطن لمثل
هذا الأدب، فكتب عنه محمد مندور، وأبو الحسن الندوي، وعلي الطنطاوي الذي يقول: "كنت أتمنى من قديم أن نخرج بتلاميذنا من هذا السجن الضيق المظلم الذي حشرناهم فيه، إلى فضاء الحرية، وإلى ضياء النهار، فلا نقتصر في الاختيار... على ألاعيب ابن العميد، وغلاظات الصاحب، وهندسات القاضي الفاضل، فننفر التلاميذ من الأدب، ونكرهه إليهم، وكنا نقول لهم: إن البيان الحق عند غير هؤلاء، وإن أبا حيان التوحيدي أكتب من الجاحظ، وإن كان الجاحظ أوسع رواية وأكثر علما، وأشد تصرفا في فنون القول، وأكبر أستاذية، وإن الحسن البصري أبلغ منهما.
إنَّ النظر فيما كتب الغزالي في الإحياء، وابن خلدون في المقدمة، وابن الجوزي في الصيد، وابن هشام في السيرة، بل والشافعي في الأم، والسرخسي في المبسوط، أجدى على التلميذ وأنفع له في التأدب، وكتبت في ذلك مرارًا، فما التفت إلى ذلك أحد فيئست منه، حتى وجدت كتاب أبي الحسن، فإذا هو قد نفض كتب الأدب والتاريخ نفضًا، وحرثها حرثًا، فاستخرج جواهرها، فأودعها كتابه.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا أُهمل مثل هذا الأدب على الرغم أنه أكبر سنًا، وأسبق زمنًا من الأدب الصناعي؟ لعل السبب في ذلك يعود إلى التأثر بالأدب المصنوع والعناية به ولاسيما في العصور المتأخرة، إذ ظهر النثر المسجوع والشعر المصنوع، وتُرك الأدب الطبعي الأدب الذي تجلت فيه براعة المؤلفين من غير تكلف، وظهرت فيه عنايتهم باللغة العربية، وقد اشتمل هذا لأدب على تعابير، وجمل أدبية جميلة، تحمل معاني سهلة، فأصبحت تثير إعجاب الآخرين، وعملت على توسيع أفقهم.
كما أنه بعيد عن الصنعة والتكلف والافتعال، وضروب التنميق والتزويق التي طغت على الكتابة في العصور المتأخرة، حتى قال فيها أحد المستشرقين الفرنسيين وهو (شارل بلا) بأنها تشبه ألعاب الأكروبات.
ونأخذ كتب الحديث والسيرة مثالا لهذا الأدب المطبوع- "وقد اشتملت على معجزات بيانية وقطع أدبية ساحرة، تخلو منها مكتبة الأدب العربي- على سعتها وغناها- وهو دليل على صحة هذه اللغة ومرونتها واقتدارها على التعبير الدقيق عن خواطر ومشاعر ووجدانات وكيفيات نفسية عميقة دقيقة، ووصف بليغ مصور للحوادث الصغيرة، وهي الكتب التي حفظت لنا مناهج كلام العرب الأولين وأساليب بيانهم".
ولئن صحَّ ما قاله الرقاشي من أن: "ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره".
إنّ كتب الحديث النبوي والسيرة والغزوات وما يقع في بابها تسد هذا الفراغ الواقع في تاريخ الأدب العربي وتنقل إلينا هذا الذخر الأدبي الذي أعتقد أنه قد ضاع، وتمتاز أنها قد اتصل سندها وصحت رواياتها فهي أوثق مصدر للغة العربية البليغة التي كانت سائدة في عهدها الذهبي الأول وللأدب العربي الذي كان منتشرا في جزيرة العرب.
وفي هذا المجال يمكننا أن نستشهد بما قاله الجاحظ مبينا ما انطوى عليه الحديث النبوي الشريف من بلاغة لا توازى، وجمال لا يضاهى، يقول: "وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه– صلى الله عليه وسلم- وهو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلَ عن الصّنعة، ونُزِّه عن التكلف، وكما قال تبارك وتعالى: قل يا محمد "وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِيْنَ"، فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب. واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا بعد ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويُسِرَ بالتوفيق.
وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يَبذُّ الخطب الطوال بالكَلِم القصار.
ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعمَّ نفعًا، ولا أقصد لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى من كلامه– صلى الله عليه وسلم– كثيرًا.
إنَّ هذه الكتب تشتمل على روايات قصيرة وطويلة، وكلها تمثل لغة العرب التي كانوا يتكلمون بها، ويعبرون فيها عن خوالجهم، وما يجيش بخواطرهم، فيوجد فيها من البلاغة العربية والتعبير الدقيق المحكم، والقدرة البيانية الوصفية، وعدم الصناعة والتكلف الشيء الكثير، ومن يقرأ كتبهم يقف خاشعا معترفا للرواة بالبلاغة وصحة النقل والرواية، ويشهد بجمال سعة اللغة العربية وبيانها.
والروايات الطويلة ثروة أدبية لها قيمة فنية لا تقل عن الروايات القصيرة ففيها دقة الوصف، والتصوير الجيد، والتعبير المحكم، فهي التي يطول فيها نفس الراوي، ويعبر فيها عن معانٍ كثيرة، وأحاسيس دقيقة.
فكأنَّ هذه الروايات لوحة فنية منسجمة متناسقة أبدع فيها الفنان، فلا يخذله لسانه، ولا يخونه البيان، كما أنها صورة متناسبة أحسن فيها المصور كل الإحسان، فظهرت فيها براعتهم الأدبية، وحسن تصويرهم للعواطف والمشاعر اللطيفة، ويظهر ذلك في حديث الإفك الذي ظهرت فيه براعة السيدة عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- الأدبية وقوتها البيانية، وحسن تصويرها ووصفها للعواطف والمشاعر النسوية اللطيفة الدقيقة، وقد تجلت في هذه القطعة رقة عاطفة المرأة المحبة لزوجها مع إباء الحرة الواثقة بعفافها وطهارتها، المؤمنة بربها. وقد أضفى هذا المزيج الغريب رقةً وشدةً وعاطفةً وعقلًا.
زِدْ إلى ذلك بيان عائشة التي تقلبت في أعطاف البلاغة العربية وانتقلت فيها من بيت إلى بيت، قد أضفى كل ذلك على هذه الرواية من الجمال الفني مايجعلها من القطع الأدبية الخالدة في الأدب.
ونجد كذلك في سيرة ابن هشام أحاديث كثيرة، منها حديث مرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وموته في بيت عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- وقد وُصف هذا المشهد بلغة فاضت بالأدبية، وهو حديث طويل يحكي لنا ما أحاط بهذا المأزق الصعب من ظروف وأجواء قاتمة؛ حيث يوضح تلك الحالة النفسية التي مرت على السيدة عائشة عندما جاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى بيتها وهو مريض.
كما يصور المشاعر النفسية التي طغت على المسلمين عندما أحسوا بمرض الرسول، وتصوير ضمائرهم وخواطرهم، والحب العميق والصلة الروحية العظيمة التي تربطهم به صلى الله عليه وسلم، وتصوير ذلك السرور وتلك الفرحة العظيمة التي غمرت المسلمين وهم يصلون صلاة الصبح عندما رأوا الرسول قادما عليهم، وتلك الابتسامة الرقيقة والبهية، وحسن الهيئة التي كان عليها- صلى الله عليه وسلم- عندما رآهم، فدعونا نستمع إلى بلاغة السيدة عائشة في وصف هذا المشهد:
قالت: "رجع إليّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري فدخل عليّ رجل من آل أبي بكر، وفي يده سواك أخضر. قالت: فنظر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليه في يده نظرا عرفت أنه يريده، قالت: فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم.
قالت: فأخذته فمضغته له حتى ليّنته، ثم أعطيته إياه، قالت: فاستنَّ به كأشد ما رأيته يستنّ بسواك قط، ثم وضعه، ووجدت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يَثْقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة، قالت: فقلت: خُيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق. قالت: وقُبِضَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ".
ونجد كذلك أبا بكر حين بلغه الخبر ... يدخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيت عائشة، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- مُسجَّى في ناحية البيت عليه بُرْد حِبَرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه عليه الصلاة والسلام... ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: "بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذُقْتها، ثم لم تُصبك بعدها موتة أبدًا".
ثم رد البُرد على وجهه- عليه الصلاة والسلام- ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: على رسْلك يا عمر، أنصت، فأبى إلاّ أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
فبهذه البلاغة التي انثالت على ألسنة الصحابة أرسالا، وأظهرت صدق عاطفتهم، وحسن كلامهم ورقة ألفاظهم وجمال أساليبهم، استطاعوا بها أن يتغلبوا على هذه المشاكل النفسية والحالات الصعبة، فتركوا لنا ثروة أدبية نعتز بها.
إنَّ هذا الأدب الطبعي موجود في أثناء الكتب القديمة، فهو يروِّض الأخلاق، ويليّن طباعها. ونجد مثل ذلك أيضًا في حديث الحسن البصري الذي قاله في الزهادة والتنفير من الدنيا، والإقبال على الآخرة: "يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولاتبع آخرتك بدنياك فتخسرها جميعًا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم فيه. الثواء ها هنا قليل، والبقاء هناك طويل، أمتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمتكم، وقد أسرع بخياركم، فماذا تنظرون؟
هيهات ذهبت الدنيا بحال بالها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم، فيالها موعظة لو وافقت من القلوب حياة. فالوحاء الوحاء والنجاء النجاء. علام تعرجون؟ أتيتم ورب الكعبة، قد أسرع بخياركم، وأنتم كل يوم ترذلون، فماذا تنظرون؟ رحم الله عبدا كسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدم فضلا. وجهوا هذه الفضول حيث وجهها الله، وضعوها حيث أمر الله، فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم، ويؤثرون الفضل، ألا إن هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها، فلا والله ما وجد ذو لبّ فيها فرحا.
فإياكم والسبل المتفرقة التي جماعها الضلالة وميعادها النار، أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون خدودهم، تجري دموعهم على خدودهم يناجون مولاهم في فكاك رقابهم، إذا عملوا الحسنة سرتهم، وسألوا الله أن يتقبلها منهم، وإذا عملوا سيئة ساءتهم، وسألوا الله أن يغفرها لهم ...".
وإزاء ما تحدثنا به عن كتب الحديث والسيرة النبوية وأدبيات الزهد، يمكننا كذلك ان نمثل لتلك الكتابات التي لم ترد ضمن سياق أدبي، والتي تميزت بأسلوبها الواضح، وكلامها الجاري مع الطبع، مما حفظه لنا المؤرخون والأدباء الأوائل أمثال الطبري والمسعودي والجاحظ وابن قتيبة وأبي الفرج مما كان العرب يتكلمون به في كل مجال من مجالات حياتهم، وفيه تجلت بلاغة الراوي العربي واقتداره على الوصف والتعبير والتصوير؛ فمن ذلك ما نقله الطبري في تاريخه عن السري عن شعيب عن سيف... عن سهم بن منجاب بن راشد، ومنجاب هذا ممن شارك في حروب الردة في جبهة البحرين، وكان في جيش العلاء بن الحضرمي، في صحبة الصحابي الجليل أبي هريرة.
وها هو ذا يصور ملمة كبيرة نزلت بجيش المسلمين وهو يجتاز صحراء الدهناء للوصول إلى البحرين، فأفقدته صوابه، وجعلته شذر مذر، ويصور كذلك كيف واجه المسلمون مع قائدهم العلاء بن الحضرمي هذا المصاب الجلل، وفيما يلي لقطة من هذا الحديث السلسال في لفظه ومعناه وحسن تصويره للواقع.
فيقول منجاب بن راشد: "بعث أبوبكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين... وسلك بنا الدهناء... فنزل وأمر الناس بالنزول، فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقي عندنا بعيرٌ ولا زادٌ ولا مزادٌ ولا بناءٌ إلاّ ذهب عليها في عرض الرمل، وذلك حين نزل الناس، وقبل أن يحطٌوا؛ فما علمت جمعًا هجم عليهم من الغَمّ ما هجم علينا وأوصى بعضُنا إلى بعض، ونادى منادى العَلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه.
فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلامُ ونحن إن بلغنا غدًا لم تحْمَ شمسُه حتى نصير حديثًا! فقال: أيها الناس؛ لا تُراعوا، ألَسْتم مسلمين! ألستم في سبيل الله! ألستم أنصار الله! قالوا: بلى، قال: فأبشروا؛ فوالله لا يَخْذل الله مَن كان في مثل حالكم...".
الراوي العربي صوّر لنا في أول هذا الخبر جيشا محاربا أصيب فجأةً بفقد العدة والعتاد والزاد وآلة الركوب، وأحيط به، إن لم يقضِ عليه عدوه غارت به الصحراء القاسية، أو اشتوته شمسها المحرقة، ثم ينتقل لتصوير الحالة النفسية التي تكتنف أفراده، والآلية التي واجه بها القائد هذه الحالة ... مما عرضه الراوي تباعا.
وهو في عمومه تصويرٌ لحالة النفس الإنسانية ساعة المصاب، وما يلمُّ بها من الغمِّ والهمِّ وانقطاع الرجاء وضعف الأمل، ينتظر المرء الموت وينطق بالوصية الأخيرة. فهذا ليس بغريب على أدب شُهد له بالوجود طيلة القرون؛ لأنه نابع من قلوب مزجت العقيدة بالعاطفة، فجاءت كتابة مؤلفيه صادقة، بعيدة عن الصنعة والتكلف، تزدان بهذه اللغة الجميلة السهلة في الأفواه، الواضحة في الوصف والتعبير عن مجريات الحياة، وما يختلج في النفوس، ويخامر العقول، تلك اللغة الأدبية التي كان يتحدث بها العرب في أوضاع حياتهم المختلفة.
وجاءت المدونات الفقهية العُمانية زاخرة كذلك بهذا الأدب المطبوع حيث أُطرت به وتلاحمت معه تلاحم اللحمة والسداة، وقد عمل ابن النضر بهذا النهج، فألف كتابه "دعائم الإسلام" بلغة أدبية رفيعة وأسلوب يتعشقه كل من قرأه وألم به، حتى قال فيه الشيخ البرادي في مقدمة شرحه (شفاء الحائم في شرح بعض الدعائم): "فإني نظرتُ إلى تآليف أصحابنا مع قلتها وإلى تآليف مخالفينا مع كثرتها فرأيتُ أشرفها منزلةً، وأرفعها درجةً وأعلاها رتبةً وأغلاها قيمةً، وأوجزها لفظا وأعجزها بيانًا، وأحكمها صنعةً وأحلاها في النفوس موقعًا، وأيسرها على المبتدئين حفظا، وأبقاها في القلوب منفعةً كتاب الدعائم الذي لأحمد بن النضر العُماني.
الرجل الفاضل الذي لم نجدْ إلى الآن أحدًا من علماء هذه الأمة أقدر على أن ينظم مسائل الفروع أبياتًا مثله ويرتب كتبها قصائد، ولله دره من رجل عالم ما أشعره، ومن رجل شاعر ما أعلمه، ومن رجل ناظم ما أرشق إشاراته وأملح استعاراته".
وهناك كثيرٌ من الكتب التي تبين عن أدب الفقهاء السابقين الذين توشّحت مدوّناتهم بالأدب، ومن مثل ذلك ما ذكره صاحب جواهر الآثار في قوله: "لقد أبانت الدنيا للناظر عيونها، وكشفت لأهل البصائر عيونها، وعددت على المسامع ذنوبها، ما مرّت حتى أمرّت مشروبها، فلذاتها مثل لمعان برق، ومصيبتها واسعة الخرق، سوّت عواقبها بين سلطان الغرب والشرق، وبين عبد قن ولا فرق".
** باحثة في النقد الحديث
