خالد بن أحمد العامري
تشهد عقبتا ياسمين وحمرير في ولاية صلالة، على طريق السلطان سعيد بن تيمور (صلالة-ثمريت)، حوادث مرورية متكررة تحصد الأرواح وتخلّف خسائر جسيمة في الممتلكات، في مشهد بات يثير القلق ويطرح تساؤلات ملحّة حول واقع السلامة المرورية في هذا الشريان الحيوي.
فالعقبتان بطبيعتهما الجبلية وانحداراتهما الحادة تمثلان تحديًا دائمًا لمستخدمي الطريق، خاصة مع حركة الشاحنات المحمّلة بالمواد السائلة والخطرة، إلى جانب المواد الصلبة وحاويات البضائع، التي تعبر هذا الطريق يوميًا، ما يضاعف مستوى المخاطر ويجعل أي حادث ذا عواقب جسيمة على الأرواح والممتلكات.
ويزداد الخطر تعقيدًا خلال موسم الخريف في محافظة ظفار؛ حيث تنخفض مستويات الرؤية بسبب الضباب والرذاذ، ما يرفع احتمالية الحوادث، في ظل ظروف مناخية استثنائية. فلم يعد الطريق مجرد مسار عبور، بل شريان اقتصادي وسياحي واجتماعي يربط شمال سلطنة عُمان بجنوبها، وتعتمد عليه حركة البضائع والمسافرين والنشاط الاقتصادي على حد سواء.
وفي عام 2018، طرحت وزارة النقل والاتصالات، بالتعاون مع وزارة المالية، مناقصةً استشاريةً لإعداد دراسة جدوى اقتصادية لمشروع طريق شاحنات منفصل (صلالة-ثمريت) بطول 67 كيلومترًا، بهدف فصل حركة النقل الثقيل عن المركبات الخفيفة وتعزيز السلامة المرورية، خصوصًا في المقاطع الخطرة لعقبتي ياسمين وحمرير.
وفي أغسطس 2023، تجدد الأمل بإعلان تأهيل خمس شركات وتحالفات عالمية للتنافس على تنفيذ المشروع، وهو ما عُدّ مؤشرًا إيجابيًا على جدية المضي قدمًا في التنفيذ، لا سيَّما مع مشاركة شركات ذات خبرة واسعة في مشاريع البنية الأساسية الكبرى بنظام الشراكة.
وقد استبشر المواطنون بهذه الخطوة؛ باعتبارها حلًا استراتيجيًا يحد من الحوادث المتكررة ويحسن كفاءة الطريق على المدى الطويل.
غير أن المشروع، رغم هذه المؤشرات، لا يزال يراوح في إطار الإجراءات والدراسات دون انتقال فعلي إلى مرحلة التنفيذ، في وقت تستمر فيه الحوادث وتتزايد حركة الشاحنات على هذا المقطع الحيوي.
ومع توقيع مذكرة التفاهم في فبراير 2026 بين وزارة المالية والصندوق السعودي للتنمية لتمويل إنشاء منطقة ثمريت الصناعية كمركز متكامل للصناعات والخدمات اللوجستية والمرافق العامة، مستفيدةً من قربها من ميناء صلالة والحدود اليمنية، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لمشروع طريق الشاحنات. فربط المنطقة الصناعية الجديدة بميناء صلالة والمنطقة الصناعية بريسوت ومنطقة صلالة الحرة يتطلب بنية نقل آمنة وفعَّالة تستوعب النمو المتوقع في الحركة اللوجستية.
وعليه.. لم يعد مشروع طريق الشاحنات خيارًا تنمويًا مؤجلًا، بل أولوية وطنية تفرضها اعتبارات السلامة العامة والأمن المروري، إلى جانب دوره المحوري في دعم الاقتصاد وتعزيز انسيابية الحركة التجارية والسياحية.
فالشاحنات والمركبات تمضي يوميًا على هذا الطريق وكأنها تراهن على الحظ لا على معايير السلامة، في ظل طريق يواجه ضغطًا متزايدًا وتحديات طبيعية معقدة. كيف نطلب من السائق أن يصل بسلام عبر طريق تتكرر فيه الحوادث؟ وكيف نطمئن على عائلة، أو مسافر، أو عامل عائد في آخر الليل، في ظل اختلاط النقل الثقيل بالمركبات الخفيفة على طريق جبلي ذي خطورة معروفة؟ إن القضية لم تعد مسألة خدمية أو تنموية، بل قضية سلامة أرواح بالدرجة الأولى، فالطريق الآمن يمثل خط الدفاع الأول ضد الحوادث، وضد الخوف، وضد فقدان الحياة بلا سبب.
والأكثر إيلامًا أن الحلول العملية متاحة منذ سنوات، ويتمثل أبرزها في إنشاء طريق منفصل ومخصص للشاحنات، يخفف الضغط عن المسار الحالي، ويحد من الاحتكاك المباشر بين المركبات الخفيفة والنقل الثقيل، ويوفر بيئة مرورية أكثر أمانًا واستدامة لعقود قادمة. كما أن المشروع لا يعزز السلامة المرورية فحسب، بل يدعم كفاءة سلاسل الإمداد، ويخدم التكامل اللوجستي بين ميناء صلالة والمناطق الصناعية والاقتصادية في محافظة ظفار.
لقد أصبح إنشاء طريق شاحنات منفصل ضرورة وطنية ملحّة تفرضها الوقائع الميدانية ومتطلبات التنمية المتسارعة، مهما بلغت الكلفة المالية، إذ تبقى سلامة الإنسان أعلى قيمة من أي حسابات أخرى. نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نطالب بطريق آمن يحمي من يسير عليه، ويصون الأرواح والممتلكات، ويواكب النمو الاقتصادي والسياحي الذي تشهده محافظة ظفار.
ويبقى الترقب قائمًا بانتظار إعلان الترسية والجدول الزمني للتنفيذ، على أمل أن يُحسم هذا المشروع الحيوي في أقرب وقت، قبل أن يتحول التأخير إلى كلفة إنسانية أكبر كان بالإمكان تفاديها.
