د. خالد بن علي الخوالدي
نتابع وبحرص الحرب القائمة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية والكيان المحتل لدولة فلسطين، ووسط هذه المتابعة قدّر الله أن تتعرض بلادنا الحبيبة لمنخفض جوي "منخفض المسرات" الذي خلّف عددًا من الوفيات ربما يفوق عدد الوفيات التي أعلنتها دولة الاحتلال وهي تعيش حربًا منذ شهر تقريبًا، وهذا العدد يبعث على القلق والاستغراب لأنني شخصيًا وغيري كنا نراهن على الوعي المجتمعي.
وفي هذه الحالة الجوية انهار الوعي المجتمعي الذي راهنّا عليه، فمن غير المعقول أن نفقد أكثر من 10 أشخاص في ظرف يومين، غير الحالات الأخرى الكثيرة التي تم إنقاذها والتعامل معها من قبل الجهات المختصة، وهذه ليست المرة الأولى للأسف، ففي كل مرة تضرب فيها المنخفضات الجوية أجواء سلطنة عُمان، تعود إلى الواجهة مشاهد متكررة تجمع بين روعة الطبيعة وهيبتها، وبين الألم الإنساني الناتج عن بعض التصرفات غير المسؤولة في مواجهة الطبيعة.
ومن المؤلم حقيقةً ما شاهدناه خلال المنخفض السابق من سلوكيات متهورة، تمثلت في المجازفة بعبور الأودية الجارفة أو الاقتراب من مجاري السيول أو حتى الوقوف لالتقاط الصور في مواقع خطرة، غير مدركين أن لحظة واحدة قد تفصل بين الحياة والموت، فالأرقام التي تم تداولها كانت صادمة، خاصةً وأن جزءًا كبيرًا من هذه الحالات كان بالإمكان تفاديه لو تم الالتزام بالتعليمات الصادرة من الجهات المختصة، كما تم تسجيل 58 عملية إنقاذ، كما استجابت هيئة الدفاع المدني والإسعاف لـ254 بلاغًا جرى خلالها إنقاذ وإجلاء 404 أشخاص، واستمرت عمليات البحث بعد انتهاء المنخفض، إلى جانب أضرار مادية طالت ممتلكات ومركبات وبنية أساسية.
ولولا لطف الله ثم الجهود الجبارة التي بذلتها الجهات المعنية، وفي مقدمتها هيئة الدفاع المدني والإسعاف وشرطة عُمان السلطانية وسلاح الجو السلطاني العُماني وغيرهم من الجهات العسكرية والمدنية، لزاد العدد إلى أكثر من ذلك بكثير، ولقد أثبتت هذه المؤسسات مرة أخرى جاهزيتها العالية واستجابتها السريعة، حيث نفذت عشرات الطلعات الجوية لعمليات الإنقاذ والإخلاء، وتعاملت مع مئات البلاغات في مختلف الولايات في ظروف مناخية معقدة وخطرة.
كما عملت شرطة عُمان السلطانية على إغلاق الطرق المتأثرة وتنظيم الحركة المرورية ونشر التحذيرات المستمرة عبر مختلف المنصات الإعلامية، بينما كانت فرق الدفاع المدني في قلب الحدث تخوض سباقًا مع الزمن لإنقاذ الأرواح وانتشال المفقودين، كل هذه الجهود تُسجّل بفخر وتعكس منظومة متكاملة من العمل المؤسسي الذي يضع سلامة الإنسان في مقدمة الأولويات.
لكن، ورغم كل هذا، تبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الفرد والمجتمع، فالجهات المختصة قد تحذر وتوجه وتبذل كل ما بوسعها، إلا أن الاستجابة لهذه التحذيرات هي العامل الحاسم في تقليل الخسائر، وهنا يأتي دور الوعي المجتمعي الذي يجب أن يكون سلوكًا راسخًا وثقافةً مترسخةً في كل وقت وحين، وإن الرهان الحقيقي اليوم وكل يوم هو على هذا الوعي، فعلى الأسرة توجيه أبنائها، وعلى المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية الدور الكبير في تعزيز ثقافة السلامة، وعلى كل فرد أن يستشعر مسؤوليته تجاه نفسه والآخرين، فالمشهد المؤلم الذي رأيناه في بعض الولايات من استهتار بحياة الإنسان ومخاطرة غير مبررة يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا لإعادة النظر في سلوكياتنا.
كما أن منصات التواصل الاجتماعي، رغم دورها في نقل الصورة، إلا أنها أحيانًا تسهم بشكل غير مباشر في تشجيع بعض التصرفات الخطرة، عندما يتم تداول مقاطع لمغامرات غير محسوبة أو التفاخر بعبور الأودية، وهنا يجب أن يكون هناك وعي رقمي يرفض الترويج لمثل هذه السلوكيات ويعزز بدلًا منها ثقافة الالتزام والمسؤولية.
إن المنخفضات الجوية والأنواء المناخية الاستثنائية جزءٌ من طبيعة هذا الوطن، وقد تحمل في طياتها الخير والبركة، لكنها في الوقت ذاته تتطلب منا احترامًا لقوانين الطبيعة والتزامًا صارمًا بالإرشادات، فلنستفد من هذه التجربة، ولنحوّل الألم إلى درس، والخسارة إلى وعي، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد المؤلمة في المستقبل.
رحم الله من فقدناهم، وحفظ الله عُمان وأهلها من كل سوء، وجعل السلامة عنوانًا دائمًا لكل مواطن ومقيم على هذه الأرض الطيبة، ودمتم ودامت عُمان بخير.
