حنان بنت عباس آل سنان*
في الآونة الأخيرة، توالت تأثيرات الأنواء المناخية على نحوٍ لافت، حتى غدت واقعًا يفرض نفسه على مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها القطاع التعليمي، وقد استجابت الجهات المعنية لهذا الظرف الطارئ بتفعيل نظام التعلّم عن بُعد، حفاظًا على سلامة الطلبة والهيئات التدريسية، مع ضمان استمرارية العملية التعليمية دون انقطاع، وأثبتت هذه التجربة، في كثير من جوانبها، قدرتها على التكيّف مع المستجدات، وكشفت عن إمكانات واعدة يمكن استثمارها مستقبلًا.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يبرز مقترح اعتماد يومٍ دراسيّ واحد في الأسبوع للتعلّم عن بُعد بوصفه خيارًا استراتيجيًا يجمع بين المرونة والكفاءة، فهذا التوجه لا يُعدّ مجرد حلٍّ ظرفيّ لمواجهة تقلبات الطقس، بل هو رؤية تنظيمية تسعى إلى ترشيد الموارد وتعزيز جودة الحياة التعليمية.
فمن الناحية الاقتصادية، يسهم هذا النظام في خفض استهلاك الطاقة داخل المدارس، ولا سيما ما يتصل بتشغيل أجهزة التكييف والإضاءة وسائر المرافق، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تقليص النفقات التشغيلية، كما أن تقليل عدد أيام الحضور الفعلي يخفف من الضغط الواقع على البنية التحتية المدرسية. وعلى الصعيد المروري، يفضي تقليص حركة التنقل الأسبوعية إلى الحدّ من الازدحام، لا سيَّما في أوقات الذروة، بما يحقق قدرًا أعلى من الانسيابية في حركة السير، ويقلل من احتمالات الحوادث.
غير أنّ هذا التوجه، على وجاهته، لا يخلو من تحديات جوهرية، في مقدمتها الفجوة الرقمية التي يعاني منها بعض الطلبة، إذ تفتقر شريحة منهم إلى الأجهزة الإلكترونية اللازمة، كالأجهزة اللوحية أو الهواتف الذكية، فضلًا عن محدودية الوصول إلى شبكة إنترنت مستقرة. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في المجتمع العُماني، حيث تضم كثير من الأسر أكثر من طالب، الأمر الذي يجعل تقاسم جهاز واحد بينهم عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق العدالة التعليمية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربات داعمة تُعنى بتكافؤ الفرص، كأن تتبنى المؤسسات التعليمية برامج لتوفير أجهزة مدعومة أو إعارتها للطلبة المحتاجين، إلى جانب التنسيق مع مزوّدي خدمات الاتصالات لتقديم باقات تعليمية ميسّرة. كما يمكن اعتماد حلول بديلة، مثل تسجيل الدروس وإتاحتها لاحقًا، بما يتيح للطلبة الاستفادة منها في أوقات مختلفة، أو تخصيص حصص حضورية تعويضية لمن يتعذر عليهم الالتحاق بالتعلّم عن بُعد.
وخلاصة القول، إن اعتماد يومٍ أسبوعي للتعلّم عن بُعد يمثّل خطوةً واعدة نحو تحديث المنظومة التعليمية، شريطة أن يُحاط بحزمة من الإجراءات الداعمة التي تضمن عدالته وفاعليته. وبذلك يتحول من إجراءٍ طارئ إلى خيارٍ استراتيجيّ يعكس وعيًا تربويًا قادرًا على مواكبة التحولات، واستشراف مستقبلٍ تعليميّ أكثر مرونة واستدامة.
*معلمة مجال أول بمدرسة الكفاءة للتعليم الأساسي
