ترامب يُدان علنًا.. ويُعاد تدويره عمليًا!

 

 

د. مجدي العفيفي

 (1)

كيف تُصنع الطاعة في عصر الضجيج؟

ليس أخطر ما في السلطة أن تأمرك: «استسلم».

الأخطر… أن تجعلك لا تسمع هذه الكلمة أصلًا، ومع ذلك تنفّذها.

هذه هي الحيلة الكبرى التي يتقنها نموذج سياسي مثل «دونالد ترامب»: لا يطلب الطاعة… بل يعيد تشكيل الواقع بحيث تصبح الطاعة هي النتيجة الطبيعية الوحيدة.

(2)

من الحقيقة إلى الرواية:

لم تعد السياسة ساحة صراع على «الحقيقة» بقدر ما أصبحت معركة على «الرواية».

التصريحات المتناقضة.. الأرقام المهزوزة.. الوقائع القابلة للتشكيك.. ليست دائمًا أخطاء عشوائية، بل أدوات.

الهدف ليس أن تُقنع الجميع. بل أن تزرع رواية كافية لتقسيم الوعي:

من يصدق..

من يشك..

من يتعب من التحقق..

وعند هذه النقطة تحديدًا، تنهار الحقيقة كمرجعية موحّدة… ويبدأ كل طرف في العيش داخل نسخته الخاصة من الواقع.

وهنا، لا يعود مهمًا من يقول الحقيقة. بل من يفرض الإطار الذي تُفهم داخله.

 (3)

الضجيج كسلاح:

التصريح ليس حدثًا.. بل سلسلة.

صدمة، ثم صدمة أعلى، ثم قفزة غير متوقعة.

هذا التدفق المستمر لا يترك للخصم فرصة للفعل، فقط للرد. ومع كل رد، يتحرك خطوة داخل ملعب خصمه.

الإعلام يلاحق..

الخصوم يفسّرون..

والجمهور يستهلك.

والنتيجة؟

الجميع يعمل داخل الإيقاع الذي فُرض عليه.

هذا ليس نقاشًا.. بل إدارة للزمن.

 (4)

السخرية التي تخدم من يُهاجم ترامب:

يسخر منه العالم، لكن السخرية لا تقتل حضوره، بل تُجدّده.

كل نكتة تعني أنه لا يزال في مركز المشهد. كل هجوم يعني أنه لا يزال معيار القياس..  فتتحول السخرية إلى مفارقة: سلاح يبدو هجوميًا.. لكنه في الواقع يضمن الاستمرارية.

وهنا يصبح الخصوم شركاء دون أن يقصدوا.

(5)

الاستسلام القسري

لا أحد يقول «نعم».

لكن الجميع يبدأ في التكيّف: الإعلام يغطّي باستمرار..

الخصوم يردّون بدل أن يطرحوا..

المؤسسات تعيد ضبط نفسها على الإيقاع الجديد..

هذا ليس قبولًا.. إنه انزلاق تدريجي.. رفضٌ في الخطاب.. وطاعة في السلوك.

وهذا هو أخطر أشكال الاستسلام: أن ترفض الشيء بينما تعيش داخله.

 (6)

وهم العزلة:

يبدو المشهد وكأن الرجل معزول: مهاجَم، مُسخَر منه، مُدان.

لكن هذه الصورة ناقصة.. لأنه في الوقت نفسه:

يفرض أجندته..

يشغل الجميع..

ويُجبر خصومه على التحرك داخل حدوده..

هذه ليست عزلة. هذه هيمنة مغلّفة بالضجيج.

(7)

الطاعة التي لا تُرى:

الخطر الحقيقي ليس في سياسي يقول ما لا يُصدق.. بل في نظام يجعل عدم التصديق غير كافٍ للمقاومة.

حين يصبح الرد فعلًا دائمًا، والسخرية إعادة إنتاج، والرفض مجرد موقف نفسي لا يغيّر الواقع.. نكون قد دخلنا أخطر مرحلة: مرحلة يعيش فيها الجميع داخل ما يرفضونه.

وهنا، لا تُفرض الطاعة بالقوة... بل تُصنع.

(8)

الكاوبوي ترامب لا يقف على المنصة ليقول: "استسلموا"..

هو أذكى -أو أخطر- من أن يفعل ذلك بهذه الفجاجة.. هو لا يطلب الاستسلام، بل يصنع شروطه..

يُغرِق المشهد بضجيجٍ متواصل، يطلق تصريحًا يشعل، ثم آخر يربك، ثم ثالثًا ينسف ما قبله.. حتى لا يبقى أمام خصومه وقتٌ للفعل، بل فقط ردّ الفعل.

ومع كل رد، ينزلقون خطوة داخل ملعبه، يستخدمون لغته، يطاردون موضوعاته، ويقيسون أنفسهم على إيقاعه.

هنا لا أحد يرفع راية بيضاء.. لكن الجميع يبدأ في الانحناء دون أن يشعر.

(9)

السخرية التي تُطلق عليه؟ تبدو كرصاص.. لكنها في كثير من الأحيان طلقات صوت.

تُضحك الجمهور، نعم، لكنها تُبقيه في مركز المسرح..

تُجدّد حضوره، وتمنحه ما يحتاجه بالضبط: الاهتمام المستمر.. فيتحول المشهد إلى مفارقة قاسية:

رجل يُهاجَم ليل نهار.. لكنه يُعاد إنتاجه مع كل هجوم.

يُدان علنًا.. ويُعاد تدويره عمليًا.

(10)

وهنا يولد الشكل الأخطر من الاستسلام:

ليس أن تقول "نعم"... بل أن تجد نفسك، بعد كل هذا الرفض، تعيش داخل ما فرضه عليك.

هذا ليس قبولًا..  إنه تكيّف قسري مُقنَّع بالرفض.

وهنا تحديدًا تكمن الحيلة المخادعة: أن يجعلك تظن أنك تقاوم، بينما أنت، في الحقيقة، تُدار!

الأكثر قراءة

z