أبواقُ الفتنةِ وثباتُ التاريخ: عُمانُ التي لا تبيعُ قرارَها

محمد بن علي بن ضعين البادي

لا تُرمى إلا الشجرة المثمرة، وبهذه الحكمة الراسخة نفتح آفاق هذا الحديث عن تلك الأصوات الشاذة التي تعالت مؤخراً، محاولةً استهداف سلطنة عمان بنقدٍ جائر وتأويلات تفتقر لأدنى معايير الإنصاف. لقد كشفت الأحداث المتلاحقة، وعقب التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة، عن مكنونات النفوس ومخابئ الضغينة؛ فمن كان يحمل في قلبه ذرة من حقد أو نفاق تجاه هذا الوطن، وجد في غبار الحروب فرصة لبث سمومه، متناسين أن عمان كانت ولا تزال صمام الأمان الذي يرفض الانجراف خلف العواطف العابرة أو طبول الحرب الزائفة.

إن ما يثير الدهشة هو توجيه سهام الاتهام إلى مسقط، وكأنها المحرك لهذا الصراع العنيف، أو كأنها الطرف الذي يملك توجيه القوى العظمى في قراراتها العسكرية، في تصوير بائس يحاول تحميل الحكمة مسؤولية الحماقة التي يرتكبها الآخرون. ومن هنا برز طابورٌ من الأبواق التي كانت تتربص بصمت، منتظرةً لحظة الاضطراب لتُشهر أقلامها وأصواتها المسمومة، لا حباً في حقيقةٍ أو دفاعاً عن مبدأ، بل تشفياً في دورٍ لطالما عجزوا عن مجاراته. هؤلاء الذين غصّت حلوقهم بمواقف السلطنة المتزنة وسيادتها المترسخة، وجدوا في دخان النزاعات فرصةً لإفراغ ما في صدورهم من أحقاد شخصية ومواقف مسبقة، محاولين تشويه صورة الدولة التي رفضت الانصياع لإملاءاتهم، مما يؤكد أن وجع هؤلاء الحقيقي ليس في الحدث السياسي بذاته، بل في عُمان التي بقيت صامدة ومستقلة بينما تهاوت أقنعة التبعية من حولها.

وكأن هؤلاء المرجفين قد أصابهم العمى عن رؤية المواقف المشرفة التي تجلت فيها عُمان كشريان حياةٍ حقيقي لأشقائها في دول مجلس التعاون؛ ففي أحلك الظروف وبينما كانت الأبواب تُوصد، فتحت السلطنة منافذها البرية ومطاراتها وموانئها لتكون جسراً آمناً لإجلاء العالقين وتيسير حركة الأشقاء، ضاربةً أروع الأمثلة في وحدة المصير. إن ربط الموانئ العمانية بدول المجلس وتجنيد كافة الإمكانيات اللوجستية لخدمة الجوار، لم يكن مجرد إجراء عابر، بل هو تجسيد لسياسة "اليد الممدودة بالخير" التي تنتهجها مسقط دوماً. فعمان لا تكتفي بالكلام المنمق، بل تترجم أخوتها إلى أفعالٍ على الأرض، مؤكدةً أنها السند الذي يُركن إليه وقت الشدائد، والجار الذي يؤثر مصلحة أشقائه ويفتح قلبه قبل حدوده لكل ما يضمن أمن واستقرار البيت الخليجي الواحد.

ولو أدرك هؤلاء المحرضون كنه الحقائق التي تخفى على العامة، والعمق المتجذر للعلاقات الأخوية والشخصية التي تربط الأسر الحاكمة ببعضها البعض، لربما أدركوا عبث ما يفعلون. إن تلك الروابط تترفع عن غبار المعارك الكلامية التي تُثار في الفضاءات الرقمية؛ فهي محكومة بوشائج القربى، وحكمة التاريخ، والمصير المشترك الذي يتجاوز تقلبات اللحظة الراهنة. إن هذا النهج العدائي الذي يسلكه المرجفون ليس إلا ضرباً من العبث، يجهلون من خلاله أن ما يُبنى على أسس من الثقة والاحترام المتبادل بين القادة لا تزعزعه أصواتٌ نشاز، ولا تهدمه أحقادُ أفرادٍ وجدوا في الأزمات متنفساً لمواقفهم الشخصية؛ فبينما يغرق هؤلاء في وحلِ التشفي والتحريض، يظل التواصل الحكيم قائماً على الرزانة وتقدير الخصوصية، بعيداً عن صخب الباحثين عن وهم البطولة الزائفة.

وفي محاولة أكثر خطورة، لجأت بعض هذه الأبواق إلى استدعاء سلاح التكفير وإقحام المذاهب والدين في صراعات سياسية محضة، محاولين إخراج عمان من حظيرة الإسلام لمجرد أن قرارها نابع من سيادتها. إن استخدام الدين كأداة للابتزاز السياسي هو قمة الإفلاس الفكري؛ فعمان التي تضرب جذورها في تاريخ الإسلام بوسطية واعتدال، لا تحتاج لشهادة إيمان من محرضين جعلوا من المنابر منصات للفتنة، بل إن استقلال قرارها هو الذي أوجعهم، لأنهم لا يستطيعون استيعاب شجاعة كلمة "لا" حينما يهرول الجميع نحو الكوارث.

إن هذا الثبات ليس وليد الصدفة، بل هو قدر تاريخي نابع من رحم إمبراطوريةٍ لم تقبل يوماً أن تكون تابعاً في فلك الآخرين. فمنذ القرون الخوالي، وعمان تشق عباب المحيطات حاملةً رسالة السلام والتبادل الحضاري، مما صقل شخصيتها السياسية لتكون عصيةً على التجييش أو الاستقطاب. هذا العمق التاريخي هو الذي يفسر اليوم ثبات السلطنة؛ فهي لا تستقي مواقفها من ردات الفعل اللحظية، بل من مدرسةٍ دبلوماسية رصينة تؤمن بأن القوة الحقيقية تكمن في الحكمة، وأن السيادة إرث حضاري لا يتجزأ، ليبقى الرأس دائماً في السماء والقرار دوماً في اليد، مهما بلغت شدة العواصف الإقليمية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z