سيناريوهات الحرب والسلام

حاتم الطائي يكتب:

 

الاستقرار في الشرق الأوسط بات ضرورة استراتيجية وليس خيارا سياسيا

العالم تكرّست فيه الأحادية القطبية لا سيما مع السياسات الترامبية

نأمل أن يكون سيناريو الحرب الشاملة مستبعدا لكلفته الباهظة على الجميع

حالة "اللاحرب واللاسلم" لا تمثل حلا مستداما وإنما تؤجل الانفجار

 

تعصف بالمنطقة العربية ومحيطها الجغرافي الأوسع، وفي قلبها إيران، تحديات جسيمة ومخاطر لا مثيل لها، ما يضعها أمام مفترق طرق دقيق بين احتمالات مزيد من التصعيد العسكري وكارثة التوغل البري الأمريكي وآفاق الانفراج السياسي وسط جهود فتح مسارات للسلام.

ويتزامن ذلك مع تحولات متسارعة تشهدها بنية النظام الدولي؛ فالعالم الذي تكرّست فيه الأحادية القطبية لا سيما مع السياسات الترامبية، بات اليوم يواجه تآكلاً تدريجياً، فيما يتعلق بمقومات الاستقرار وضمان الأمن والسلم العالميين واحترام سيادة الدول. ورغم ذلك لا يمكن تجاهل حقيقة صعود قوى دولية وإقليمية تسعى إلى إعادة صياغة موازين القوة ويتجسد ذلك في القوتين الصينية والروسية.

في هذا السياق، تبرز إيران بوصفها فاعلاً محورياً في معادلة معقدة، تتقاطع فيها الضغوط الغربية، وعلى رأسها العقوبات الاقتصادية، مع محاولات التكيّف عبر بناء شراكات بديلة وتعزيز النفوذ الإقليمي. ويظل البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز مصادر التوتر، علاوة على البرنامج الصاروخي، لكنه في الوقت ذاته يمثل ورقة تفاوضية حيوية في أي مسار دبلوماسي محتمل.

ورغم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي حول احتمالات التصعيد العسكري، فإن سيناريو الحرب الشاملة نأمل أن يكون مستبعداً نسبياً، في ضوء كلفته الباهظة على جميع الأطراف. في المقابل، يظل سيناريو "التصعيد المحدود" عبر ساحات إقليمية متعددة هو الأكثر ترجيحاً، ضمن معادلة ردع متبادل تحكمها حسابات دقيقة وتوازنات هشة. غير أن هذه الحالة، التي يمكن وصفها بـ"اللاحرب واللاسلم"، إذا ما تم تطبيق وقف لإطلاق النار في ضوء المباحثات الجارية، فإنها لا تمثل حلاً مستداماً، بل تؤجل الانفجار دون معالجته.

وفي المقابل، تتزايد المؤشرات على إدراك دولي متنامٍ بأن الاستقرار في الشرق الأوسط لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة وسلامة الاقتصاد العالمي. ومن هنا، تبرز فرص إعادة إحياء المسارات التفاوضية، لا سيما في ظل تراجع فاعلية الحلول العسكرية في التعامل مع أزمات مركّبة ومتشابكة.

ضمن هذا المشهد، تتعزز الحاجة المُلحّة لتفكيك منطق الهيمنة الأحادية وشريعة الغاب التي يسعى رئيس نرجسي لفرضها على 7  مليارات نسمة، ومن ثم استبداله بنظام دولي أكثر توازناً، يتيح لدول الإقليم دوراً أكبر في صياغة أمنها الجماعي.

وتبدو منطقتنا، بما تحمله من تعقيدات، أضحت ساحة اختبار حقيقية لهذه التحولات؛ حيث تتقاطع إرادات القوى الكبرى مع تطلعات الفاعلين الإقليميين.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز نهجنا العُماني كأحد النماذج الدبلوماسية المتزنة والحكيمة، التي تميزت بكونها انموذجا للحياد الإيجابي ، والتي تراهن على الحوار وتجنّب الاستقطاب؛ إذ رسّخت سلطنة عمان حضورها كوسيط موثوق، مستندةً إلى مبادئ ثابتة تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الغير، وتغليب الحلول السلمية على منطق القوة. هذا النهج لم يكن مجرد خيار تكتيكي؛ بل رؤية استراتيجية متكاملة لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وهنا لا بُد من قراءة ما ذكره  معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، في طرحه الشجاع المنشور عبر صحيفة "ذي إيكونوميست" على ضرورة إرساء السلام في المنطقة وأن خفض التصعيد وبناء الثقة يشكلان المدخل الواقعي لأي تسوية مستدامة.  لكن النقطة الأبرز انه على أصدقاء أمريكا مسؤولية "قول الحقيقة" والحقيقة هي انه يجب إنهاء الحرب فورا مع حل الأزمة في المنطقة من جذورها ومساعدتها على الخروج من الكارثة، من خلال وضع حد نهائي وحاسم لانتشار الأسلحة النووية في المنطقة، ولذلك نؤكد مقولة معاليه انه لا طريق للخروج من الحرب سوى عبر العودة للحوار رغم صعوبته.

ويعكس هذا الطرح إيماناً عُمانياً راسخاً بأن الحوار، لا المواجهة، هو السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة مزيداً من الاضطرابات.

غير أن الطريق نحو السلام لا يخلو من التحديات ومحفوف بالأخطار، وفي مقدمتها الرغبة الصهيونية ففي تدمير المنطقة وفرض ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى" من خلال إضعاف دول المنطقة وجرها لحروب لا تنتهي، فضلاً عن هشاشة الثقة بين الأطراف المتنازعة.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى ميل إقليمي ودولي نحو احتواء الصراعات بدلاً من حسمها عسكرياً – إذا ما استبعدنا الوقاحة الصهيونية وغطرسة القوة الأمريكية - وهو ما يفتح نافذة أمل، وإن كانت ضيقة، أمام تسويات تدريجية.

ويبقى القول إن من المؤسف ان تظل منطقتنا رهينة توازن هش بين احتمالات التصعيد وفرص التهدئة. وبينما تتنامى اخطار الحرب الشاملة، يظل الرهان قائماً على الدبلوماسية، بوصفها الأداة الأكثر واقعية لإعادة صياغة المشهد الإقليمي، بما يضمن الانتقال من منطق الصراع إلى أفق أكثر استقراراً وسلاماً.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z