د. إبراهيم بن سالم السيابي
قد يبدو عنوان المقال قاسيًا، وربما صادمًا للبعض، لكنه في جوهره يختصر حقيقة كثير من الحروب التي تُخاض في منطقتنا؛ فبينما تُرفع عناوين كبرى مثل الأمن، والردع، وحماية الاستقرار، وحلم التوسع، والعقيدة، وحرية الشعوب في تقرير المصير، تظل الحقيقة الأكثر حضورًا- وإن لم تُعلن- هي الصراع على الموارد، وفي مقدمتها النفط والغاز. قد تظهر أهداف أخرى في الأفق، وقد تُقدَّم تفسيرات متعددة لتبرير هذا الصراع، لكن عند تفكيك المشهد بعمق، تتضح صورة أكثر بساطة وأشد قسوة: مصالح تُدار، ودماء تُراق.
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن حدثًا عابرًا؛ بل زلزال سياسي واقتصادي هزّ المنطقة بأكملها؛ فالضربات العسكرية، واستهداف القيادات، والتصعيد المفاجئ، كلها مؤشرات على أن ما يجري يتجاوز حدود الخلاف التقليدي، ليدخل في إطار إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط. وقد كانت النتائج كارثية بكل المقاييس، ليس على إيران وحدها، بل على العالم أجمع، إذ تمر عبر هذه المنطقة نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، ما أدى إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، وامتد تأثير ذلك إلى الاقتصادات الكبرى، وصولًا إلى المواطن في أنحاء العالم، الذي وجد نفسه يدفع ثمن صراع لم يكن طرفًا فيه.
أما دول الخليج، فقد وجدت نفسها في قلب العاصفة؛ حيث لم تعد القضية مقتصرة على تصدير النفط، بل امتدت لتشمل تعطّل قطاعات حيوية مثل السياحة، والتجارة، وحركة الطيران، في ظل إغلاق الأجواء وتزايد المخاطر الأمنية، وهو ما تسبب في خسائر تُقدَّر بالمليارات، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول هشاشة الاعتماد الاقتصادي على بيئة إقليمية غير مستقرة.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا: لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟
ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تُظهر استعدادًا للتجاوب مع المطالب الدولية المتعلقة ببرنامجها النووي، من تخفيض نسب التخصيب إلى السماح بالمفتشين الدوليين، بل وفي ظل وجود مسارات دبلوماسية لم تُغلق بعد، جاء التصعيد العسكري ليقلب الطاولة بالكامل، وكأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن التفاوض ليس دائمًا هو المسار الحاسم، وأن موازين القوة قد تُفرض خارج أطر الاتفاقات.
هنا تحديدًا، يتغير مسار التحليل من ظاهر الصراع إلى جوهره. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بالبرنامج النووي أو الأمن الإقليمي، بل ترتبط بشكل وثيق بالنفوذ الاقتصادي والتحكم في موارد الطاقة. فهذه المنطقة، بما تملكه من نفط وغاز، تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، وأي تغير في موازين القوى داخلها ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الحرب باعتبارها جزءًا من صراع أوسع للسيطرة على قواعد اللعبة الاقتصادية، لا مجرد مواجهة عسكرية محدودة الأهداف.
ومع ذلك، فإن أخطر ما كشفت عنه هذه الحرب ليس فقط دوافعها الخفية، بل طبيعتها نفسها. فهي حرب تفتقر إلى الشرعية الدولية، شُنت دون تفويض أممي، وفي تجاوز واضح لكل الأعراف الدبلوماسية، خاصة أنها جاءت في وقت كانت فيه الوساطات قائمة، وهو ما يضعف الثقة في جدوى العمل الدبلوماسي، ويعزز منطق القوة على حساب الحوار.
كما أنها أظهرت بوضوح ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث تُرفع شعارات الحرية وحقوق الشعوب في سياقات معينة، بينما تُتجاهل في سياقات أخرى لا تقل وضوحًا وعدالة، كما هو الحال في القضية الفلسطينية، وما يتعرض له المدنيون في قطاع غزة من إبادة جماعية على يد إسرائيل، في ظل كون إسرائيل طرفًا مباشرًا في هذا النزاع، وسط صمت أو تبرير دولي يثير الكثير من التساؤلات.
ومن زاوية أخرى، فإن اعتماد سياسة الاغتيالات واستهداف القيادات يفتح الباب أمام تكريس منطق خطير في إدارة الصراعات، حيث تتحول الدول نفسها إلى فاعل مباشر في ممارسات قد تُصنَّف ضمن العنف المنظم، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار أنماط جديدة من عدم الاستقرار، ويساعد في انتشار الإرهاب ويُعيد تعريف مفهوم الأمن في العالم بشكل مقلق.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك التكلفة الاقتصادية الهائلة لهذه الحرب، والتي تُهدر فيها مليارات الدولارات على أدوات الدمار بدلًا من توجيهها نحو التنمية وبناء الإنسان، تتضح صورة عالم يعاني من خلل عميق في أولوياته؛ حيث تُقدَّم القوة على العقل، والصراع على التعاون.
في النهاية، قد تتعدد الروايات، وقد تُرفع شعارات الأمن والحرية والردع، لكن ما تكشفه الوقائع على الأرض يظل أكثر وضوحًا من كل الخطابات. هذه ليست حربًا عشوائية، ولا صراعًا بلا معنى، بل هي إعادة ترتيب لموازين القوة تُدار بأدوات مختلفة، وتُدفع كلفتها من دماء البشر. قد تتغير العناوين، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها تبقى واحدة: ما يحدث هو ببساطة… النفط مقابل الدم!
