ثمن الصورة

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في مساءٍ عادي داخل أحد المراكز التجارية، تمتلئ العربات بسلعٍ كثيرة؛ بعضها ضروري، وبعضها اختير بدافع اللحظة. يخرج الناس من المتاجر وهم يشعرون برضاٍ سريع، كأنهم اشتروا شيئًا أكبر من مجرد حاجات يومية. لكن بعد أيام قليلة، حين يبدأ الحساب الحقيقي، يكتشف كثيرون أن المشكلة لم تكن في قلة الدخل بقدر ما كانت في طريقة الإنفاق نفسها؛ فالإنسان لا يشتري دائمًا لأنه يحتاج، بل أحيانًا لأنه يشعر- دون أن ينتبه- بأن عليه أن يشتري.

في زمن المقارنات المفتوحة، لم يعد الاستهلاك قرارًا فرديًا خالصًا، بل أصبح جزءًا من لغة اجتماعية غير مكتوبة. نرى ما يملكه الآخرون، ونسمع عن تجاربهم، ونشاهد تفاصيل حياتهم في صورٍ سريعة تمرّ أمامنا كل يوم. ومع الوقت، يتسلل إلى وعينا شعورٌ خفي بأن مستوى الحياة الطبيعي يجب أن يبدو على هذا النحو أو ذاك، حتى لو كان أبعد قليلًا من قدرتنا الحقيقية.

وهنا تكمن المفارقة. فكثير من الأسر لا تعاني نقصًا كاملًا في الدخل، لكنها تعيش ضغطًا مستمرًا لأنها تحاول الحفاظ على نمط حياة أعلى من قدرتها الفعلية. تتراكم المشتريات الصغيرة، وتتحول الرغبات المؤقتة إلى التزامات طويلة، ويصبح الاستهلاك وسيلة لتعويض شعورٍ نفسي أكثر من كونه استجابةً لحاجة حقيقية.

المشكلة لا تكمن في السعي إلى حياة أفضل؛ فالرغبة في تحسين مستوى المعيشة أمر طبيعي ومشروع. لكن الخلل يظهر حين يتحول هذا السعي إلى سباقٍ صامت مع الآخرين، أو إلى محاولة دائمة للحفاظ على صورةٍ اجتماعية لا تعكس الواقع الكامل للحياة.

عندها لا يعود الإنفاق مجرد قرار مالي، بل يتحول إلى ضغطٍ نفسي غير مرئي.

تبدأ الأسرة بتأجيل الادخار، ثم تتردد أحيانًا في الاعتراف بأن بعض القرارات كانت أكبر من قدرتها. ومع الوقت تتغير العلاقة مع المال؛ فبدل أن يكون وسيلة للاستقرار، يصبح مصدر توتر دائم. وتتحول بعض اللحظات البسيطة- مثل التخطيط لنهاية الشهر- إلى مساحة حسابات دقيقة لا تخلو من القلق.

لكن المدهش أن الحل لا يبدأ دائمًا بزيادة الدخل.

أحيانًا يبدأ بقرارٍ أكثر هدوءًا: إعادة تعريف معنى "العيش الجيد".

الرفاه الحقيقي لا يُقاس بكثرة ما نملك، بل بقدرتنا على إدارة ما نملك دون ضغطٍ مستمر. والأسرة التي تنجح في التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والمؤقت، تكتشف أنها قادرة على بناء قدرٍ أكبر من الاستقرار حتى دون تغيّر كبير في مستوى الدخل.

ليس المقصود أن يعيش الإنسان حياة تقشفٍ دائم، ولا أن يتخلى عن متع الحياة البسيطة؛ فالتوازن لا يعني الحرمان. لكن الفرق كبير بين إنفاقٍ واعٍ يضيف إلى الحياة، وإنفاقٍ متكرر يحاول فقط ملاحقة صورةٍ مثالية لا تنتهي.

وفي كثيرٍ من الأحيان، يكفي أن يتوقف الإنسان لحظةً ليسأل نفسه سؤالًا بسيطًا قبل أي قرارٍ مالي: هل أشتري هذا لأنني أحتاجه… أم لأنني لا أريد أن أبدو أقل من الآخرين؟

وحين يصبح هذا السؤال عادة، يتغير الكثير؛ فالاستقرار المالي لا يُبنى فقط بزيادة الموارد، بل بوعيٍ يجعل المال في خدمة الحياة بدل أن تتحول الحياة إلى سباقٍ للحفاظ عليه.

وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الحقيقي في كم نكسب، وإنما في كم نحتاج فعلًا لنعيش بطمأنينة؛ فالعدالة المعيشية لا تبدأ حين تزداد الأرقام في الحسابات؛ بل حين يشعر الإنسان أن ما يملكه يكفيه ليعيش بكرامةٍ وهدوء، دون أن يطارده شعورٌ دائم بأنه متأخر عن الآخرين.

الأكثر قراءة

z