بين مطرقة التحالف وسندان المسيرات.. دول الخليج في "مأزق"

 

 

 

عبدالله البلوشي

 

منذ مطلع شهر مارس 2026، ومع انطلاق عمليات "الملحمة الغاضبة" كما تسميها الولايات المتحدة، أو "الوعد الصادق"، كما تطلق عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجد قادة دول المنطقة أنفسهم أمام واقع جيوسياسي مرير؛ إذ لم تعد القواعد الأمريكية المنتشرة على سواحل الخليج "مظلة حماية" فحسب؛ بل تحولت إلى "مغناطيس" لجذب الصواريخ والمسيرات، مما وضع العواصم الخليجية في مفارقة استراتيجية قد تعيد تشكيل وجه المنطقة للأبد.

المفارقة الخطيرة: التزام أم ارتحال؟

تعتمد الولايات المتحدة اليوم على شبكة قواعدها في الخليج أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2003، ولكن في مشهد يعكس حجم الرعب من التبعات، ربما تضطر الدول المضيفة لفرض قيود غير مسبوقة. فقد يبرز "الفيتو السيادي" كعائق أمام واشنطن، حيث رُفض استخدام الأراضي والأجواء الخليجية لشن ضربات هجومية ضد العمق الإيراني، خوفًا من تحول المدن الزجاجية ومنشآت النفط إلى "أهداف مشروعة".

عمليات "شلْ العقل والدرع"

لم تعد التهديدات مجرد حرب نفسية، بل تُرجمت إلى دمار حقيقي أصاب قدرًا كبيرًا من مفاصل القوة الأمريكية في المنطقة:

 * البحرين (شلّ العصب): استهدف هجوم دقيق بمسيّرات "شاهد-136" مجمع "الجفير"، مما أدى لتدمير محطتي الأقمار الصناعية AN/GSC-52B. هذا الهجوم لم يكن عشوائيًا، بل استهدف عزل الأسطول الخامس الأمريكي عن اتصالاته المشفرة، مما أجبر القيادة على نقل عملياتها إلى عرض البحر.

 * الإمارات (اختراق الدرع): في قاعدة "الظفرة"، نجحت المسيرات في استنزاف منظومات الدفاع الجوي وضرب مستودعات وقود مقاتلات F-35، فضلًا عن تعطيل رادار توجيه لبطارية "باتريوت". وفي دبي، تعرض الرصيف العسكري بميناء جبل علي لأضرار هيكلية، وهو الوحيد القادر على استيعاب حاملات الطائرات العملاقة.

 * قطر (إعماء الرصد): شهدت قاعدة "العديد" أخطر هجمات "الإغراق الصاروخي"، حيث تم تحييد رادار الإنذار المبكر AN/FPS-132. هذا التعطيل خلق "بقعة عمياء" في شبكة الدفاع الإقليمية، مما جعل تتبع الصواريخ المنطلقة من شرق إيران أمرًا في غاية الصعوبة.

البنية التحتية في "دائرة الاستهداف"

الرسالة الإيرانية واضحة ومغلّفة بالبارود: "إذا احترقت إيران، فسيحترق غاز العالم ونفطه معه".

الهجوم على ميناء "الشعيبة" في الكويت كان بمثابة الإنذار الأخير. ومع إغلاق مضيق هرمز "الأمر الواقع" أصبحت الشرايين الاقتصادية للعالم تحت رحمة مسيرات "شاهد" وصواريخ "فتاح" الفرط صوتية، مما دفع بعض الدول لتجميد إنتاج الغاز والنفط قسرًا كإجراء احترازي.

خيار "الصفر"

تقف دول الخليج اليوم أمام خيارين أحلاهما مُر: الوفاء الكامل بالمعاهدات مع واشنطن والمخاطرة بتحويل المنطقة إلى رماد، أو الحياد القسري الذي قد يترك المنطقة مكشوفة أمام طموحات إيران الإقليمية.

"المنطقة الرمادية" بين الانهيار والاحتواء

تجد دول الخليج نفسها اليوم في "فخ استراتيجي" غير مسبوق؛ فهي من جهة لا تستطيع التخلي عن المظلة الأمنية الأمريكية التي استثمرت فيها لعقود، ومن جهة أخرى، تدرك أن هذه المظلة باتت هي ذاتها "الهدف" الذي يستدرج النيران الإيرانية إلى عقر دارها. هذا المأزق ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو صراع بين البقاء الاقتصادي (حماية الغاز والنفط والمدن) وبين الالتزام الأمني (استضافة القوات الأمريكية).

وتتمثل الخيارات المتاحة أمام العواصم الخليجية فيما يلي:

1. خيار "الحياد النشط" (Active Neutrality):

وهو المسار الذي تنتهجه أغلب الدول حاليًا؛ عبر الاستمرار في استضافة القواعد الأمريكية، ولكن مع فرض "قيود سيادية" صارمة يتعدى "منع الانطلاق منها للهجوم" بل يشمل عدم استخدامها لدعم أي عمليات عسكرية جارية ضد أي دولة مجاورة. الهدف هو الحفاظ على الحماية الدفاعية (مثل منظومات الباتريوت) مع غسل اليد من أي عمل هجومي قد يؤدي لرد انتقامي إيراني مدمر للبنية التحتية.

2. خيار "تعدد الأقطاب الدفاعي":

من خلال البدء في تنويع الشراكات الأمنية (مع الصين وروسيا) ليس كبديل كامل لواشنطن، بل كوسيلة "لتهدئة" طهران عبر وسطاء دوليين يمتلكون نفوذًا اقتصاديًا على إيران، مما قد يقلل من احتمالية استهداف المنشآت الحيوية.

3. خيار "المنظومة الدفاعية المستقلة":

التعجيل ببناء شبكة دفاع جوي وصاروخي "خليجية خالصة" تعتمد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والليزر (مثل نظام Iron Beam أو بدائل محلية)، لتقليل الاعتماد على الدعم المباشر من مصادر أمريكية الذين باتوا يشكلون أنفسهم هدفًا دائمًا للمسيرات والصواريخ.

4. خيار "التسوية الإقليمية الكبرى":

الضغط باتجاه "اتفاق عدم اعتداء" برعاية دولية يضمن تحييد مصادر الطاقة (النفط والغاز) ومحطات التحلية من أي صراع عسكري، مقابل ضمانات خليجية بعدم استخدام أراضيها كمنصة للاعتداء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وأخيرًا.. إنَّ الخيار الذي ستسلكه دول الخليج سيحدد شكل "النظام الإقليمي الجديد"؛ فإمَّا أن تنجح في التحول إلى "منطقة عازلة" آمنة ومنزوعة الصراع، أو تظل "ساحة معركة" كبرى تُحرق فيها ثروات المستقبل بوقود صراعات الآخرين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z