د. مجدي العفيفي
(1)
منذ اللحظة الأولى للحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، أطلقت الآلة الإعلامية الكبرى أكذوبةً مصممة بدقة: إيران تهدد الخليج، إيران تضرب، إيران تشعل المنطقة.
الكذبة كانت واضحة، العبثية كانت صارخة، لكنها وجدت آذانًا عربية ذليلة، وغربًا مستعدًا لتصوير المعتدي كضحية، والمدافع كعدو.
ما شهدناه ليس مجرد حرب إعلامية؛ بل حرب عقلية استهدفت الحقيقة نفسها، محاولة لإعادة صياغة الواقع لمصلحة الهيمنة الأمريكية-الصهيونية.
(2)
لن نبالغ إذا قلنا إن هذه السردية لا أساس لها من الصحة. إيران لم تلمس شعوب الخليج، لم تهدد مدنًا، ولم تصب المدنيين، بل استهدفت قواعد أمريكية-صهيونية محددة.
هذه القواعد ليست مجرد مواقع عسكرية؛ إنها مراصد تجسسية، أدوات نفوذ سياسي، ومفاتيح التحكم في القرار المحلي لدول الخليج. من قطر إلى البحرين، ومن الكويت إلى الإمارات والسعودية، تنتشر هذه القواعد كعيون متجسِّسة، تربط استقرار هذه الدول بمظلة القوة الأمريكية المطلقة.
أي تهديد مزعوم لإيران على الخليج، هو في الواقع محاولة لتحويل المعتدي إلى ضحية، والسيطرة على الرواية الإعلامية والسياسية في المنطقة.
الأدهى من ذلك، أن الإعلام العربي الرسمي، في كثير من الأحيان، أصبح جزءًا من هذه الآلة الكبرى. الأبواق العربية لا تكتفي بنقل الكذبة الغربية، بل تقوم بتكريسها وتضخيمها، أحيانًا عن قصد، أحيانًا بسبب الانبهار أو الخضوع.
النتيجة: الجمهور العربي أصبح يعيش في وهم كبير، يصدق أن إيران هي المهدد، بينما الحقيقة الحقيقية هي التواجد الأمريكي في قلب المنطقة، والهيمنة الغربية على القرار السياسي والأمني لدول الخليج.
(3)
هذه السردية المضللة تعمل على ثلاثة مستويات متزامنة:
- الأمريكي- الصهيوني: خلق تهديد مزيف لإيران، وتبرير استمرار احتلالهم العسكري والسياسي، وتأمين مصالح شركات الأسلحة، وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم تسمح لهم بالتحكم في كل خطوة سياسية أو اقتصادية.
- الأوروبي: تقديم هذه الأكاذيب الغربية كـ "حقيقة محايدة"، في الوقت الذي يكونون فيه شركاء في التضليل، يروجون للرواية نفسها، ويعيدون تعبئة جمهورهم بأوهام التهديد الإيراني.
- العربي: التواطؤ أو الخضوع، والتحول إلى أداة في آلة الكذب الكبرى. الإعلام الرسمي، والصحافة الذليلة، وحتى بعض الشخصيات السياسية، يكررون هذه الكذبة كعرافة مستمرة، بينما هم يعلمون أنها كذبة، أو على الأقل يغضون الطرف عن الحقيقة.
أما إيران، فقد أعلنت مرارًا أن المقصود في عملياتها هو الوجود الأمريكي في المنطقة، وليس الدول الخليجية نفسها.
لم يكن الهدف ضرب الأبرياء، بل ضرب منصات التجسس والهيمنة، ومراكز القرار التي تشكل تهديدًا لإيران وسلامتها الإقليمية.
هذا الفرق بين الدفاع عن النفس وبين التهديد المفترض لا يريد أحد أن يشرحه للناس؛ لأنه يفضح كل خدعة الغرب وكل دور الإعلام الذليل في تغطية الجرائم الكبرى.
(4)
إن العبثية هنا ليست مجرد كذبة إعلامية، بل آلة استراتيجية للحفاظ على النفوذ، وإبقاء المنطقة تحت دائرة الخوف المستمر، والتحكم في مصيرها السياسي والأمني.
كل مرة تُعاد الكذبة، كل مرة يُروّج للتهديد الإيراني، كل مرة ينشر الإعلام العربي الذليل الرعب والخوف، نرى الصورة واضحة: الحقائق تُطمر، والمعتدي يُصور كضحية، والمدافع يُصور كعدو.
لكن الحقيقة، مهما حاولت الآلة الإعلامية طمسها، باقية. صاخبة، واضحة، لا يمكن تزييفها: إيران تصوب صواريخها على من يستحقون الرد، على قواعد التجسس والهيمنة، وليس على الأبرياء.
وهذه الحقيقة هي النقطة الفاصلة بين من يسعى للحقيقة ومن يختار الغرق في بحر الأكاذيب.
(5)
إذن نحن أمام 3 وجوه للسردية المضللة: الوجه الأمريكي-الصهيوني الذي يخلق الأكاذيب، والوجه الأوروبي الذي يشرعنها، والوجه العربي الذي يكررها، سواء عن طمع أو عن خضوع.
كل هذه الوجوه تعمل معًا في آلة واحدة، آلة العبث الكبرى، لتحويل الوجود الأمريكي في الخليج من احتلال واستغلال إلى “ضمانة أمنية” و"حماية للدول"، بينما الواقع عكس ذلك تمامًا.
هنا يظهر دور الإعلام الحقيقي: كشف الحقيقة، فضح الأكاذيب، إعادة الأمور إلى نصابها. أي محاولة لتصوير الدفاع الإيراني على قواعد الاحتلال كتهديد لدول الخليج هي محاولة فاشلة، مكشوفة، لكنها تعمل على إرباك الشعوب، وإبقاء المنطقة في دائرة خوف مستمر، وإبقاء الحكام المحليين تحت النفوذ الأجنبي.
(6)
في النهاية، الحقيقة باقية، صاخبة، لن تختفي. إيران تصوب صواريخها وأذرعها على من يستحقون الرد، وليس على الأبرياء. كل قاعدة تجسس، كل مركز للهيمنة، كل خطوة ضد الحرية والسيادة، سيواجهها الرد.
وهذه هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن للآلة الإعلامية أن تطمسها، مهما حاولت الأكاذيب الغربية أو الطاعة العربية. وهذا هو الاختبار الحقيقي: بين من يرى الحقيقة ويغضب، وبين من يعيش في وَهْمِ الكذبة ويستسلم للعبث.
