ترامب.. قرصان الصفقات ومشعل حرائق الخليج

 

 

محمد بن علي البادي

حينما تضطرب أمواج السياسة وتتلاطم أطماع القوى الكبرى، يبرز إلى السطح من يظنون أن التاريخ يمكن صياغته بمداد من النار والدموع. وبينما يقف العالم على شرفة الانتظار المُرّ، يطل علينا دونالد ترامب في مشهد تتكرر فصوله، حاملًا في يمينه وعودًا بالسلام وفي شماله صواعق الحروب.

إنها لحظة فاصلة من عمر الزمن، حيث لم يعد القناع قادرًا على مواراة ملامح العربدة السياسية التي تجتاح المنطقة، ولا يمكن للعقل الرصين أن يغفل عن الحقيقة الساطعة؛ أن من يوقد النيران في الموقد الإيراني لا يبتغي دفء الاستقرار، بل يهدف إلى إحراق كل ما أنجزته الشعوب من بناء وسكينة، محولًا جغرافيا التفاهم إلى ساحات للتصادم والوعيد.

إن هذه السياسة القائمة على الانفعال والتقلب لم تعد تكتفي بتهديد الخصوم، بل امتدت آثارها لتعصف باستقرار دول الخليج العربي، التي وجدت نفسها تدفع أثمانًا باهظة جراء هذه المغامرات غير المحسوبة. فالعربدة التي يمارسها ترامب تحت مسمى "الصفقات" و"الضغوط القصوى" لم تخلف وراءها سوى زعزعة لأمن الممرات المائية الحيوية، وتهديدًا مباشرًا للاقتصاد الإقليمي الذي يعتمد عليه العالم بأسره. إن هذه السياسات قد وضعت دول الخليج في فوهة المواجهة، محملة إياها أعباء أمنية وسياسية واقتصادية ثقيلة، ومحولة سماءها الصافية إلى مجال لقرع طبول حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، لتتحول مقدرات الشعوب من مشاريع للبناء والتنمية إلى ميزانيات للدفاع والتحوط من جنون العظمة الذي يسكن البيت الأبيض.

ومما يثير السخرية المريرة، أن ترامب الذي نصب نفسه حارسًا وحيدًا للخليج، ونشر القواعد العسكرية في أرجاء دوله كأبراج للمراقبة والحماية، لم يفلح في تأمين تلك القواعد ذاتها حينما حمي الوطيس؛ فبدلًا من أن تكون تلك القواعد صمام أمان يبعث على الطمأنينة، تحولت بفعل رعونته إلى أهداف مكشوفة، وجلبت معها القلق والمخاطر لبلدان كانت تنشد النماء بعيدًا عن صراعات القوى الكبرى. وادعاء الحماية الذي يسوقه، ليس إلا غطاءً لرهن إرادة المنطقة، فمن عجز عن حماية مراكزه وقواعده من الاستهداف، كيف له أن يؤمن شعوبًا ودولًا وضعها هو بنفسه في فوهة المواجهة؟ لقد أثبتت الأحداث أن وجود تلك الآلة العسكرية الضخمة لم يكن يهدف لحراسة الخليج، بقدر ما كان يهدف لجعله ساحة متقدمة لحروبه الشخصية، مغلفًا ذلك بوعود تتبخر عند أول اختبار حقيقي للقوة.

والواقع يثبت أن ترامب، في سعيه المحموم وراء أمجاد شخصية وبطولات إعلامية زائفة، قد استباح هدوء المنطقة وضرب بعرض الحائط مصالح الحلفاء التاريخيين. إن السلام الذي يدعيه هو سلام "على مقاس القوة"، سلام لا يقيم وزنًا لسيادة الدول ولا لكرامة الشعوب، بل يرى في الأزمات فرصًا لابتزاز المواقف واستنزاف الثروات. فكيف لمن يزرع بذور الشقاق ويحرض على الصدام المباشر أن يدعي رعاية الوئام؟ إنها المفارقة الصارخة التي كشفت زيف الأقنعة؛ حيث بات "وسيط السلام" المزعوم هو المحرك الأول لعدم الاستقرار، والمسؤول المباشر عن حالة الترقب والقلق التي تسكن قلوب الملايين في المنطقة.

إن الشعوب الحرة لم تعد تنطلي عليها لغة "الصفقات" التي تُبرم على حساب أمنها القومي. فالسلام الحقيقي لا يولد من رحم التهديد والوعيد، ولا يُبنى من خلال تحويل المنطقة إلى ثكنة عسكرية كبرى تخدم طموحات رجل واحد. إن ما تحتاجه المنطقة هو الحكمة والعدالة والاحترام المتبادل، لا العربدة التي تقتات على النزاعات وتزدهر في مناخات الحروب. وستبقى الحقيقة قائمة: أن من يمول القتل ويحرض على الدمار لا يملك حق الحديث عن السلام، وأن استقرار الخليج العربي أغلى من أن يكون رهينة في أيدي سياسات متقلبة تبحث عن الأضواء وسط حطام الدول.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z