أ.د. هشام البحيري
تعلم عزيزي القارئ أن "الزربيان" هو طبق من الأرز (العيش.. باللهجة العُمانية)، وهو من الأطباق المشهورة في المطبخ اليمني، وخاصة العدني، ويتكون بشكل أساسي من الأرز البسمتي والمطهو مع البطاطس أو البطاطا والجزر واللحم أو الدجاج مع الكثير من البهارات والتي تعطيه نكهة قوية، ويُضاف إليه الزبادي (لبن روب) والبصل المحمر (المكرمل)، ويضاف عليه قليل من البيض المسلوق.
وكما تلحظ- عزيزي القارئ- أن كافة هذه المكونات غير متجانسة، لكن من خلال تدخل الطاهي- بإصرار شديد- على مزج كافة هذه المكونات، يستطيع أن يستخرج طبقًا مختلفًا. هذا هو حال "الإدارة العربية" في الكثير من منظماتها، وخاصةً التي يعمل فيها العديد من الجنسيات مختلفة الثقافات والقيم والعادات والتقاليد، فيما يسعى المدير (الطاهي الإداري في حالتنا هذه) في محاولة حثيثة لمزج الأنواع المختلفة من الموظفين معًا، لكي ينتج ويحقق الأهداف. ويتبقى أن نسأل عن المكون الرئيس والمتسبب في نجاح الزربيان، ألّا وهو "البهارات".
والبهارات التي يستخدمها المدير في العديد من المنظمات العربية هي ما نطلق عليهم "العصافير" والذين يتطوعون بنقل الأخبار والمعلومات للمدير عن بقية الزملاء في الوحدات الإدارية المختلفة. وفي كثير من الأحيان، عندما لا يحصلون عن أخبار جديدة أو وشايات جديدة، فإنهم يقومون بابتكار معلومات زائفة لكي لا ينقطع شريان التواصل مع المدير.
لقد حاول علماء الإدارة في كافة الدول المتقدمة ابتكار أساليب إدارية حديثة مثل الإدارة بالأهداف، والإدارة بالنتائج، والإدارة بالشفافية، والإدارة بالحوكمة، إلّا أننا في كثير من الدول العربية قد ابتكرنا منهجًا إداريًا مغايرًا هو "منهج الإدارة بالعصافير"، والذي يعد في الحقيقة هو منهج إداري فاشل لكونه يروج لفكر الجُزُر المنعزلة، والتي يسعد بها المدير غير الجدير لإيمانه الكبير بمبدأ (فرق.. تسُد)، وأيضًا (اتعب موظفيك.. ترتاح) و(اشغل موظفيك باتهامات مستمرة لكي تتسبب في إرباكهم لكي لا يتميزون)، ولا يسطعون أمام الرؤساء وأصحاب المال أو القيادات العليا في المؤسسات العامة.
الإدارة العربية الآن تحتاج إلى مدير جدير ومتميز، كما تحتاج إلى تطبيق أسلوب إداري مختلف، يقوم على التقريب والتوافق، ولا يقوم على التجزئة والتفريق؛ فالإدارة لم ولن تكون يومًا مجموعة من الاستراتيجيات أو السياسات أو الإجراءات أو الأنظمة، أو اللوائح والإجراءات فقط؛ بل الإدارة في جوهرها "علاقات" وتناغم بين رئيس ومرؤوسين وزملاء.
الظروف والتحديات التي تمر بها الكثير من المنظمات العربية، يتسبب فيها "مدير غير جدير" يتسبب في ظهور الكثير من حالات التخبط والارتباك، وهذا يجعلنا نؤمن بحاجتنا الشديدة إلى "ثورة إدارية" وتبني فكر إداري متطور وحديث يساعدنا في التخلص من الكثير من الأفكار القديمة البالية والتي يطبقها الكثير من المديرين العرب.
وإصرار بعض المدراء على جعل المنظمة الواحدة وكأنها مجموعة من الجزر المنعزلة، يتسبب في تضاؤل مرونتها وقدرتها على الابتكار والإبداع الإداري، ولا تكمن المشكلة في عُزلة المكاتب، وإنما في عُزلة العقول، وتفرقة النفوس. إننا في أمسِّ الحاجة إلى استعادة التَّواصُل الإيجابي والفعال بين الموظفين. نحن نحتاج إلى تعاون الناس، وتكوين فرق عمل منجزة، وفرق عمل ذاتية الإدارة، تحب العمل وتحب المنظمة التي تعمل بها.
والسؤال الآن: ماذا يجني المدير العتيق صاحب الفكر الإداري القديم، من تفرقة الناس، وجعلهم وكأنهم يعملون في "صوامع مغلقة"؟ الصومعة أكثر من مجرد حاجز مادي؛ فهي حواجز نفسية تُعطِّل التواصل وتبادل الأفكار، ومن ثمَّ فإن الاستقلال المتزايد بين أقسام المؤسسة وإداراتها يَحول دون قدرة الأفراد على الالتفاف حول هدف واحد. كما أنه يتسبب في ظهور ما يسمى بـ"التكلس الإداري"؟ وهذا "التكلُّس الإداري" ظاهرة شائعة تتمثل في الإجراءات المعقدة والروتين المُمِل والبيروقراطية المُتعنِّتة التي تجعل حياة الناس أسوأ؛ فهو يُشبه مزيجًا لزجًا من مواد متكلِّسة، يُعطِّل الإنتاج ويقتل فرص الأداء، ويضر بالأعمال ويحول دون تنفيذ الخطط وتحقيق الأهداف، وهو ظاهرة تُصيب المؤسسات الصغيرة والكبيرة، في القطاعين العام والخاص، والمنظمات الدولية والمحلية وغير الربحية.
وقد يكون التكلُّس الإداري في بعض الدول أسوأ من غيرها، لكنه موجود في جميع أنحاء العالم، فهو مُتجذر في سلوكنا كبَشر. وفي جميع الحالات، يضر التكلُّس الإداري بالاقتصاد، فيُدمِّر منظومات الخدمات الصحية الحكومية، ويؤدي لتدهور التعليم، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي والناتج العالمي، ويسلب المجتمعات ميزاتها التنافسية، وقد يودي بحياة الكثيرين بسبب اللامبالاة والفساد والإهمال والروتين وانعدام الابتكار وغياب الضمير المهني.
كما يؤدي التكلُّس الإداري إلى إهدار الوقت في الانتظار؛ سواء بحضورك الفعلي مثلًا أو على الهاتف أو عبر الإنترنت. ويفرض على المتعاملين أعباء إعداد وتقديم التقارير، وتتجلى هذه الظاهرة في الأعباء الإدارية التي يتحملها الناس كي يحصلوا على المعلومات، أو يعرفوا الجهات التي يجب الاتصال بها، أو يحددوا ما الذي يجب أن يفعلوه. كما يتضمن إتمام المعاملات في المؤسسات الحكومية، وهذا ما يحدث حين يجب أن يوقِّع 10 أشخاص على مستندٍ ما، ويحدث هذا في القطاع الخاص أيضًا حين نُرهق العملاء بمزيد من الرقابة والشروط، كما هو الحال في المستشفيات والجامعات الخاصة.
إنَّ سعي المدير لتهيئة بيئة عمل صحية، والقضاء على ظاهرة التكلُّس الإداري، والبُعد عن منهج الفُرقة بين الموظفين، سوف يُسهم في إنتاج المزيد من الأفكار الابتكارية الجديدة، ويحسن من الإنتاجية، ويرفع الروح المعنوية للموظفين ويشعرهم بجودة الحياة الوظيفية. كما أنه يزيد من درجة الرضا الوظيفي، ويقلل الصراعات التنظيمية بين الناس.
الطريق إلى النجاح في الغد، هو تطوير قدرات ومواهب المدير وتابعيه للحصول على نتائج أفضل، وتناغم في الأهداف، لأن هذه المجموعة من المهارات تمثل الطريق نحو "قوة الإدارة" وتشكل أنماطًا جديدة من قادة المستقبل يتصفون بخمسة سمات رئيسة هي:
1- الاستثمار في مواطن قوتهم وقوة موظفيهم.
2- إحاطة أنفسهم بالمتميزين.
3- تفهم احتياجات التابعين لهم.
4- التوافق مع الأنماط الشخصية المختلفة من المرؤوسين.
5- تشجيع الاختلاف وليس الخلاف.
** أستاذ إدارة الموارد البشرية بجامعتي البريمي والقاهرة
