محللون: الحرب على إيران تهدد الاقتصاد الأمريكي

 

واشنطن- رويترز

يواجه الاقتصاد الأمريكي الآن اختبارا جديدا من المرجح أن يزيد من حالة عدم اليقين بعد قرار الرئيس دونالد ترامب شن هجمات بلا سقف زمني أو قيود محددة على إيران بهدف معلن هو الإطاحة بالحكومة الإسلامية التي تتولى زمام هذا البلد منذ فترة طويلة.

ومع استمرار الضربات المضادة في جميع أنحاء المنطقة وإعلان ترامب أن الصراع قد يستمر لأسابيع على الأقل، يركز المحللون على قائمة طويلة من العوامل غير المتوقعة، إذ قفزت أسعار النفط في مطلع الأسبوع من 70 دولارا إلى ما يقرب من 80 دولارا للبرميل قبل أن تتراجع قليلا مع تباطؤ حركة الملاحة عبر الممرات النفطية الاستراتيجية في مضيق هرمز.

ورغم أن الولايات المتحدة أقل تأثرا بصدمات الطاقة من العديد من الدول المتقدمة الأخرى بسبب إنتاجها المحلي من النفط والغاز، فإن التأثير العالمي على التجارة والأسعار والاستثمار قد يمتد ليؤثر سلبا على ما كانت تعد توقعات نمو إيجابية لهذا العام.

وأظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة كونفرانس بورد ارتفاعا في ثقة الرؤساء التنفيذيين بآفاق الاقتصاد الأمريكي وصناعاتهم، لكن ما يقرب من 60 بالمئة قالوا إن هناك مخاطر عالية من أن يشكل التوتر الجيوسياسي عاملا مزعزعا للاستقرار. ووصف صندوق النقد الدولي في أحدث تقييم له للاقتصاد الأمريكي التوقعات بأنها "إيجابية"، وهو تقييم سيتعين عليه الآن أن يصمد أمام اضطرابات صراع غير متوقع في منطقة رئيسية لإنتاج النفط، مع ما يترتب على ذلك من تأثير على الشحن العالمي وسلاسل التوريد وأسعار السلع الأساسية.

وكتب جوزيف لوبتون، الخبير الاقتصادي في جيه.بي مورجان، في مذكرة في مطلع الأسبوع بعد بدء قصف الولايات المتحدة لإيران "كان أحد أركان توقعاتنا لعام 2026 هو ما رصدنا من 'تلاشي حالة الحذر' فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية. فقد أشارت بيانات أوائل العام إلى أن الشركات بدأت تتجاوز مرحلة الشلل في التوظيف والإنفاق الرأسمالي على الأصول غير التقنية وبدأت في توجيه أرباحها ورؤوس أموالها التي حافظت على مرونتها نحو الاستثمار".

وأضاف "هذا الانتعاش الناشئ معرض للخطر الآن. الحرب العسكرية، التي تضاف إلى ’الحرب التجارية’ الأمريكية المستمرة، قد تعاد إشعال المخاوف بشأن الاستقرار العالمي".

ويعتمد مدى هذا التأثير وما إذا كان سيؤثر، على سبيل المثال، على السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي)، على مدى ارتفاع أسعار النفط العالمية جراء الصراع، وما إذا كان يهدد بالتصعيد والتوسع بمرور الوقت أو يتطور إلى صراع داخلي على السلطة في إيران بعد مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي في غارة جوية.

وشكل غزو روسيا لأوكرانيا في 2022 مخاطر عالمية مماثلة. وكان رد فعل البنك المركزي الأمريكي الأولي على هذا الصراع هو الميل نحو التيسير النقدي، إذ قلص المسؤولون خططهم لرفع أسعار الفائدة بشكل كبير في ذلك الربيع.

ومع ذلك، سرعان ما عادت مخاوف البنك المركزي الأمريكي إلى الارتفاع الحاد في التضخم، وتسارعت وتيرة رفع أسعار الفائدة.

وكتب تيم دوي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة (إس.جي.إتش ماكرو أدفايزرز) اليوم الاثنين "الصراع مع إيران هو عامل غير متوقع، مع أن الأسواق قد تفقد اهتمامها سريعا إذا بدا أن الوضع سيتحول من صراع إقليمي إلى داخلي".

وفي مذكرة منفصلة، أشار ساسان قهرماني رئيس (إس.جي.إتش) ومديرها التنفيذي، وهو من مواليد طهران وكان والده دبلوماسيا إيرانيا قبل الثورة الإسلامية عام 1979، إلى حالة عدم اليقين التي تسود الوضع الحالي، مع احتمال اندلاع حرب أهلية إيرانية، فضلا عن "تكتيك 'الأرض المحروقة' المتمثل في تصعيد الصراع من طهران إلى (مراكز مدنية أخرى) ... لضرب الاقتصاد العالمي والضغط من أجل إنهاء الحرب".

خطر حملة غير متكافئة

والتأثير الأولي على السوق محدود فيما يبدو. فالعقود الآجلة لأسعار الفائدة تميل قليلا نحو توقع اعتماد البنك المركزي الأمريكي سياسة أكثر ميلا للتشديد النقدي، لكنها لا تزال تشير إلى أن البنك سيخفض أسعار الفائدة مرتين هذا العام، على أن تكون الخطوة الأولى في اجتماعه يومي 28 و29 يوليو تموز.

وانخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين في مطلع الأسبوع، وهو رد فعل شائع في أوقات الأزمات العالمية مع بحث المستثمرين عن أصول آمنة، لكن العائد على سندات الخزانة ارتفع سريعا اليوم الاثنين في إشارة محتملة إلى القلق من زيادة التضخم والمخاطر، على الأقل على الصعيد العالمي.

وارتفع الدولار، وهو ملاذ آمن آخر، مقابل سلة من العملات الرئيسية.

وشهدت مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسية تباينا في تعاملات ما بعد الظهيرة، إذ انخفض المؤشر داو جونز الصناعي قليلا وارتفع المؤشر ستاندرد اند بورز 500 على نحو طفيف.

وكتب محللو سيتي في مذكرة اليوم الاثنين "لا نتوقع أن تؤثر التطورات الجيوسياسية تأثيرا كبيرا على خطط البنك المركزي لأسعار الفائدة، مع وجود مخاطر محدودة لارتفاع التضخم تقابلها ظروف مالية أقل دعما" وتركيز على البيانات المحلية.

وأضافوا "نتوقع إضافة 55 ألف وظيفة جديدة ونسبة بطالة 4.4 بالمئة يوم الجمعة، وهي قراءة من شأنها أن تبقي مسؤولي مجلس الاحتياطي الاتحادي متفائلين باستقرار أسواق العمل".

ومن المقرر أن تصدر وزارة العمل الأمريكية تقريرها عن التوظيف لشهر فبراير شباط يوم الجمعة.

ومع ذلك ذكرت وكالة بلومبرج نيوز أن رئيسة مجلس الاحتياطي الاتحادي السابقة جانيت يلين قالت في مؤتمر الشحن السنوي الذي تنظمه شركة ستاندرد اند بورز جلوبال إن الحرب تشكل خطرا مزدوجا يتمثل في رفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وتباطؤ النمو الاقتصادي في آن واحد ، مما يجعل مجلس الاحتياطي الاتحادي أكثر ميلا للتريث وأكثر ترددا في خفض أسعار الفائدة عما كان عليه قبل وقوع هذه الأحداث.

لكن عدم القدرة على التنبؤ باللحظة الحالية هي أيضا محور اهتمام متزايد.

وقال كريستوفر هودج كبير الاقتصاديين الأمريكيين في نايتكس سي.آي.بي أمريكاز في مذكرة "لقد ازدادت المخاطر المحتملة على نحو ملحوظ" مشيرا إلى سيناريوهات تتراوح من حل سريع وتشكيل حكومة جديدة في إيران تعمل على استقرار المنطقة، إلى صراع أطول أمدا يقلب سلاسل التوريد العالمية رأسا على عقب.

وكتب هودج واقتصاديون آخرون في ناتيكس في مذكرة أنه في أحد السيناريوهات المتطرفة، "يتضح في وقت قصير نسبيا أن النظام الإيراني المتبقي لديه قدرة عسكرية محدودة أو رغبة محدودة في الرد"، وتتلاشى تأثيرات أسعار النفط سريعا، ويكون التأثير الاقتصادي ضئيلا نسبيا ولا يوجد تغيير يذكر في أمور مثل توقعات أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الاتحادي.

وفي المقابل، أشاروا إلى أن "الصراع يتوسع على الصعيد الإقليمي، مع امتداد تداعياته إلى طرق التجارة العالمية وسلاسل التوريد خارج قطاع الطاقة. ويظل سعر النفط فوق 120 دولارا، لكن الصدمة لم تعد تقتصر على النفط الخام. فخطوط الشحن تتعطل وترتفع تكاليف التأمين بشكل حاد وتتضرر شبكات الإنتاج العالمية"، بينما يتحول النمو في الولايات المتحدة إلى انكماش وترتفع معدلات البطالة ويزداد العجز الأمريكي ويخفض مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة سريعا لتجنب حدوث ركود اقتصادي.

وقال جيمس ستافريديس نائب رئيس شركة كارلايل وجيف كوري المسؤول الكبير في الشركة لأسواق الطاقة والسلع ذات الصلة في مذكرة إنه من الصعب توقع إلى أين سيقود الصراع الأمور.

وقدّرا احتمال نجاح ترامب في استبدال النظام الإيراني الحالي بنسبة 30 بالمئة فقط، مع احتمال قدرة الحرس الثوري الإسلامي على شن رد فعل "غير متكافئ" قد يتجاوز نقاط الاختناق الواضحة مثل مضيق هرمز.

واستهدفت طائرات إيرانية مسيرة منشآت الغاز الطبيعي في قطر، مما أوقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال من المنشآت التي تستخدم المضيق.

لكن توماس قال إنه يركز على "احتمال أساسي نسبته 70 بالمئة أو أكثر لشن حملة غير متكافئة طويلة الأمد، بما يشمل الأنشطة الإلكترونية والإرهاب وقوى بالوكالة قد تجتاح العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك". ورغم أن قوة الولايات المتحدة تركز على إيران، فقد تساءل "من يحمي الغاز الطبيعي المسال في موزامبيق؟".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z