د. خالد بن علي الخوالدي
اخترت أن أكون بعيدًا عن الحرب الدائرة هذه الأيام بين الصهاينة وإيران، وأُركِّز على شهر رمضان المبارك الذي يأتي بروحانيات مميزة وبمذاق خاص وأجواء لطيفة وبطقوس ما تزال تعيش داخلنا رغم التطور والتقدم، رمضان كشهر لم يتغير ولكن النفوس تغيرت وكثير من أمور الحياة تلونت، وكثرت في هذا الشهر أمور لم تكن موجودة في أزمان سابقة، في الماضي كان رمضان يحمل طابعا خاصا حيث كانت الحياة أكثر بساطة والتقاليد أكثر عمقًا والروحانية أكثر حضورا، أما اليوم ومع تطور الحياة اختلفت الكثير من العادات والتقاليد، مما جعل البعض يشعر أن روح رمضان التي كانت تسري في شوارعنا قد تراجعت قليلًا.
في الماضي كان رمضان في عُمان يمتاز بالألفة والترابط المجتمعي، وكانت العائلات تجتمع على موائد الإفطار المتواضعة؛ حيث تكون المأكولات التي تعد بعناية بسيطة لكنها غنية بالحب والمودة، لم تكن الشوارع مزينة، كما هي اليوم لكن كانت البيوت تنبض بروح التعاون والتكافل الاجتماعي، وكان من أبرز ملامح رمضان في الماضي هو تماسك الأسرة وتوحدها، كانت العائلات تتجمع في المساء، وتجلس معا لمشاهدة تلفزيون عُمان الذي كان يعرض بعد المغرب أهم الأعمال الكوميدية والدرامية الخفيفة التي كانت تجمع الجميع عليها ويتبادلون التعليقات والسوالف، وبعد صلاة التراويح يبدأ التعليق على صالح زعل والمرحوم سعود الدرمكي وغيرهم من أبطال الفن العُماني، وبعد الصلاة الشباب تجدهم في ملعب كرة الطائرة التي التصقت التصاقا عجيبا بشهر رمضان ثم يعودون بعدما غيروا جو مع أصحابهم والنساء يروحن مع الجارات ليرجع الجميع لتناول وجبة السحور.
أما اليوم فقد تغيرت بعض الملامح الرمضانية في عُمان بفضل تطور الحياة وازدياد المشاغل اليومية، وأصبحت المنازل أكثر رفاهية والمجتمع أكثر انشغالا بالأعمال، ما أثر على التواصل الاجتماعي الذي كان يسود في الماضي، وأصبحت الحياة سريعة جدا ووجدت العائلات نفسها غارقة في تفاصيل العمل والالتزامات الاجتماعية، وأصبحت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وتعدد القنوات الفضائية جزءا من واقع رمضان الحديث؛ مما قد يساهم أحيانًا في تشتت التركيز عن الجوهر الروحي لهذا الشهر.
وإذا كانت الدول تسعى إلى التكتل والتعاون؛ فالأحرى للأسر والعائلات أن تحرص على ذلك خاصة في هذا الشهر الفضيل، وعلينا أن نعيد إحياء بساطة رمضان التي كانت تميز الأجيال السابقة، فبدلًا من التفاخر بتنوع المأكولات وتقديم الأطباق الفاخرة، يمكننا العودة إلى تحضير الأطعمة التقليدية والعُمانية البسيطة التي تجمع الأسرة حول مائدة واحدة، وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية من خلال تخصيص وقتا أكبر للتجمع والحديث وتبادل التجارب الرمضانية المشتركة، كما أن التقليل من الاعتماد على الأجهزة التكنولوجية سيكون له أثر كبير في تعزيز التواصل العميق داخل الأسرة، وتعزيز العمل الخيري؛ سواء بتقديم المساعدة للفقراء والمحتاجين أو من خلال تنظيم حملات تبرع بالمال والطعام، لنعمل معًا على نشر الروح العُمانية التي تتميز بالكرم والعطاء، ويمكننا إعادة الروح العُمانية الرمضانية من خلال تنظيم فعاليات ثقافية في الأحياء والقرى، مثل المسابقات الثقافية والمحاضرات الدينية والأنشطة الاجتماعية التي تعزز من ارتباطنا بالتراث العُماني.
إن العودة إلى القيم العُمانية التي كانت سائدة في الماضي، مع الحفاظ على فكرنا المعاصر، يمكن أن يساهم في جعل رمضان أكثر روحانية وإثراء، دعونا جميعًا نعمل على إعادة الروح العُمانية إلى رمضان من خلال العودة إلى البساطة وتعزيز الروابط الاجتماعية والاهتمام بالعبادة والتكافل، ليبقى هذا الشهر المبارك في قلب كل عُماني كما كان دائمًا.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
