الزكاة بين التعبد وإصلاح البنية الاقتصادية

 

 

 

 

عيسى بن سالم الريامي **

 

حين يحل وقت الزكاة، يتعامل معها بعض النَّاس على أنَّها رقم يُحسب، أو مبلغ يُحوَّل ثم يُغلق الملف. لكن الزكاة في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير. هي لحظة صادقة بين الإنسان وماله، بين القلب وما يملكه، بين الشعور بالاكتفاء والإحساس بالمسؤولية.

الزكاة عبادةٌ قبل أن تكون نظامًا ماليًا، وهي تذكير سنوي بأنَّ المال الذي بين أيدينا ليس ملكًا مطلقًا؛ بل أمانة واستخلاف. وحين يُخرج المسلم زكاته، فهو لا يُنقص ماله، بل يُعيد ترتيب علاقته به؛ يُخفف من تعلقه، ويُزكي نفسه قبل أن يُزكي رصيده. ولذلك سُمّيت زكاة، لأنها تنمو بالبركة، قبل أن تنمو بالأرقام.

لكن جمال الزكاة لا يقف عند بُعدها الإيماني. فهي في الوقت ذاته نظام اجتماعي بالغ الحكمة. لم يجعلها الإسلام إحسانًا اختياريًا يرتبط بالمزاج أو العاطفة؛ بل حق معلوم للفئات المستحقة. في هذا التحول من "صدقة" إلى "حق"، تكمن فلسفة العدالة التي أرادها الشرع: كرامة للآخذ، ومسؤولية على المعطي.

وفي واقعنا المعاصر؛ حيث تتسع الفجوات المعيشية، وتزداد الضغوط المالية على كثير من الأسر، تبدو الزكاة أكثر حضورًا من أي وقت مضى؛ فهي لا تُسهم فقط في سد حاجة آنية، بل تُعيد ضخ المال في المجتمع، وتمنع تركزه في دوائر محدودة. إنها دورة حياة للمال؛ كلما تحرك، نما، وكلما احتُبس، ضاق أثره.

ولهذا لم تكن الزكاة في التصور الإسلامي عبادة فردية معزولة عن الاقتصاد؛ بل جزء من منظومة متكاملة تجعل المال في حركة دائمة بين الناس؛ فالاقتصاد الإسلامي في جوهره لا يقوم على تراكم الثروة بقدر ما يقوم على تداولها، ولا على الربح المجرد بقدر ما يقوم على البركة والأثر. ومن هنا، فإن المؤسسات المالية الإسلامية حين تُيسر جمع الزكاة ثم تعين على توزيعيها لمستحقيها، فإنها لا تؤدي خدمة إجرائية فحسب، بل تُسهم في إحياء معنى التكافل الذي يشكل أحد أعمدة هذا النظام.

الفرق الجوهري بين الزكاة وغيرها من الالتزامات المالية أن الزكاة تبدأ من القلب قبل النظام. هي عبادة تُثمر أثرًا اقتصاديًا، وليست مجرد آلية مالية تُدار بالأرقام. لذلك فإن أداءها بوعي يُغير نظرة الإنسان إلى ماله: من ملكية فردية خالصة إلى مسؤولية مشتركة، ومن وسيلة للادخار فقط إلى وسيلة للإصلاح.

حين نفهم الزكاة بهذه الصورة، تتحول من التزام سنوي ثقيل إلى مشاركة واعية في بناء مجتمع متوازن. نُدرك أن ما نُخرجه ليس خسارة، بل مساهمة في حفظ استقرار المجتمع الذي نعيش فيه، وفي تعزيز شعور الطمأنينة الذي يعود أثره علينا جميعًا.

الزكاة ليست رقمًا يُحسب في نهاية العام، ولا مبلغًا يُحوَّل فحسب.. إنها رسالة متجددة بأن الإيمان لا ينفصل عن العمران، وأن المال إذا أُدي حقه زكا، وإذا زكا، أصلح النفوس والمجتمعات معًا.

بادر اليوم بأداء زكاتك عبر القنوات المتاحة، ويمكنكم تحويل قيمة الزكاة إلى الحسابات المخصصة عبر البوابة الالكترونية لخدمات الزكاة أو تطبيق الزكاة www.zakah.om .

** رئيس إدارة الالتزام والتدقيق الشرعي ببنك العز الإسلامي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z