سلطان بن خلفان اليحيائي
منذ قرونٍ وعُمان تعرف طريق البحر كما تعرف طريق البر. سفنها جابت السواحل، وتجارها بلغوا موانئ بعيدة، لكنهم حملوا سمعةً واحدة: كلمةٌ تقال وتحترم.
في شرق أفريقيا وآسيا لم يكن العُماني يعرف بكثرة حديثه، بل بثبات موقفه. ومنذ عهد الأئمة مرورًا بالدولة البوسعيدية ترسخت قاعدة واضحة: إذا قالت عُمان فعلت.
هذا الإرث لم يبق في كتب التاريخ، بل أصبح نهجًا سياسيًا حاضرًا، استمر واضحًا من عهد السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - إلى عهد السلطان هيثم بن طارق - وفقه الله. خط واحد: توازن في العلاقات، وضوح في المواقف، وابتعاد عن الاستعراض.
لماذا تصدق عُمان؟
لأنها لا تعد بما لا تستطيع، ولا تدخل في خصومات علنية، ولا تنجرف خلف موجات عابرة. تقول ما تعنيه وتلتزم بما تقول. هذه البساطة الصادقة هي سر قوتها.
في أزمات إقليمية مُعقدة كانت مسقط محطة لقاء. تعمل بهدوء وتفضل النتائج على العناوين. لذلك، حين تتعقد الملفات، يتجه المختلفون إليها؛ لا لأنها تبحث عن دور، بل لأنهم يبحثون عمن يثقون به.
التوازن قوة لا ضعف
التوازن العُماني ليس حيادًا باردًا، بل اختيار محسوب. إبقاء الجسور قائمة حتى في أصعب الظروف، وإدارة الخلاف بالحوار لا بردود الفعل المتسرعة. ثبات عند العاصفة، لا تلون مع الرياح.
ملجأ المختلفين
ميزة السياسة العُمانية أنها تحفظ للجميع كرامتهم. لا تحرج طرفًا ولا تقصي آخر. حين تستضيف حوارًا يكون هدفها تقريب وجهات النظر لا تسجيل النقاط. هكذا تراكم احترامٌ حقيقي عبر السنوات.
الثقة لا تمنح سريعًا؛ بل تبنى بمواقف متزنة على مدى طويل. دولة تعرف حجمها وتدرك قيمة سمعتها، فتبقى صورتها واضحة: شريك صادق يمكن الاعتماد عليه.
الشعب.. الجذر الحقيقي
قوة السياسة لا تولد في القاعات الرسمية وحدها، بل في سلوك الناس. هنا يكمن العمق الحقيقي في التجربة العُمانية.
عندما أبحر العُمانيون إلى سواحل شرق أفريقيا والهند لم يذهبوا جيوشًا فاتحة، بل تجارًا وبحارة وصناع علاقات. في زنجبار ومومباسا وغوجارات كسبوا احترام الناس بعدلهم وأمانتهم. اندمجوا مع المجتمعات وأقاموا تجارة عادلة وتركوا أثرًا طيبًا قبل أي نفوذ.
أمانة في البيع، وعدل في الحكم، ووفاء بالعهد؛ لم تكن صفات عابرة، بل طبعًا راسخًا شكل الشخصية العُمانية: هدوء في الطبع، احترام للآخر، وكلمة توزن قبل أن تقال. لا ميل إلى المباهاة، ولا رغبة في إقصاء المختلف، بل استماع قبل الحديث وثبات عند الموقف.
ومن هنا انعكس طبع المجتمع على سلوك الدولة؛ فالدولة صورة أكبر لشعبها. حين تصبح الأخلاق ثقافة عامة تكون المصداقية نتيجة طبيعية، وحين يكون التواضع قيمة راسخة يصبح التوازن خيارًا دائمًا لا حلًا مؤقتًا.
مسؤولية متبادلة حتى يبقى المعدن أصيلًا
الشعب هو الجذر، والسياسة ثماره. والحفاظ عليه واجب ووفاء. المواطن ليس رقمًا في خطط التنمية، بل الأساس الذي تقاس به سمعة الدولة. وكلما شعر بالإنصاف والتقدير ازداد ثباته، وانعكس ذلك على موقف الوطن في الخارج.
المصداقية في الخارج تبدأ بالعدل في الداخل. حين يشعر المواطن بأن وطنه دعامة صلبة تبقى السياسة متينة، لا تهزها المستجدات ولا تغيرها الرياح.
الصفات الطيبة تحتاج بيئة عادلة وفرصًا حقيقية وعيشًا كريمًا يحفظ الكرامة. الضغط المستمر قد يرهق حتى أكثر الناس صلابة، وإذا تسللت الحاجة إلى النفوس أثرت في الصفات التي نعتز بها. الحفاظ على إنسان كريم هو حفاظ على السياسة نفسها. السيادة لا تصان بالشعارات، بل بمواطن مطمئن يرى في وطنه ملاذًا يمنحه الثقة والقوة.
الإكسير الحقيقي
في عالم تتغير فيه المواقف سريعًا تبقى الثقة هي الأساس. قد تمتلك الدول أدوات كثيرة، لكن من دون مصداقية تبقى ناقصة مهما كثرت.
السياسة العُمانية.. جذرها الشعب وثمرتها المصداقية
هذا الإكسير خرج من تاريخ طويل وطبيعة شعب متزن. لذلك، في زمن تتقلب فيه المواقف، يبقى اسم عُمان مرادفًا للثبات؛ لا لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها الأصدق عهدًا، والأوضح موقفًا، والأثبت التزامًا.
