مُزنة المسافر
تعلَّم كلمات محددة، كلمات يجيب فيها على الدنيا، إنْ سأله أحدهم يا أراجوز: بتحب إيه؟ سيرد سريعًا مثل الدمى: فول وقصب وبحب عمي رجب، يُربيه عمي رجب ويعتني فيه منذ أن كان أراجوزًا طفلًا، يظهر في مسارح أصغر للعرائس، وقبل أن يصبح معروفًا بين الناس في الحي.
صنعه عمي رجب كدمية قفاز، منذ سنوات بخيوط وأقمشة زاهية، عمله أن يكون جاهزًا يختبأ أسفل صندوق صُنع له خصيصًا، دوره أن يحكي الحكايات الكثيرة، تلك التي تأتي من بلاد الفلاحين أو من أرض علاء الدين.
وحين يحين موعد الخروج، يخرج الأراجوز وهو يبتسم، ثم يضحك، ويتحرك بسرعة أسرع من النسانيس ويكون وجهه منيرًا أكثر من النجف والفوانيس.
يُسلِّم أولًا على الصبيان والفتيات، يا أهلًا وسهلًا.
وحين يتعب الأراجوز وينتهي العرض، يرجع مع عمي رجب إلى المنزل.
طعامه المفضل الفول والقصب، فيضع له عمي رجب صحنًا فيه حبات كثيرة من الفول، ومن ثم يقدم للأراجوز المرهق عصير قصب السكر، لكن الأراجوز يريد أن يأكل السكاكر مثل الصغار، فقد سمع عن البقلاوة، والأمور التي فيها كل الحلاوة.
لكن عمي رجب يجيبه بأن طلب السكاكر كثيرًا سيجلب له شاويشًا وعساكر في العمارة، المرء بحاجة للطعام الذي يجعل بدنه قويًا صلبًا.
ولأن الأراجوز لا يحفظ اسمه الحقيقي جيدًا، ولا يعرف إنْ كان له بطاقة هوية، أو حاجيات شخصية. له فقط حقيبة صغيرة، يُظهرها أمام الصغار والكبار حين يكون على المسرح، يدعي أنه سيسافر بالقطار، وأنه يغادر أحيانًا المشهد، لكنه يكتشف لاحقًا أن عمي رجب يصنع حبكة وربكة لحياة مسرح العرائس.
يتفاعل معه الجميع، ويرجع الأراجوز للمسرح.
لا يعلم الأراجوز إنْ كان يحق له السفر، والتحليق فوق هذه الدنيا، يتمنى أن يرى القطار الحقيقي، ويسمع صوته، ويشعر بسكة الحديد تتحرك أمامه، ويريد أن يرى الأرياف والقرى، ويرى المدن والبلدات البعيدة، ويريد أن يرى الفراعنة والأهرامات، ويرى النيل والميه، وكل شيء فيه حياة.. تلك الدنيا الأكبر من منزل عمي رجب.
الدنيا الكبيرة للغاية، لكنه لا بُد أن يعيش في شقة عمي رجب، لأنه المكان الآمن لأي أراجوز. الأراجوز لا يميز إشارات المرور، ولا يقدر أن يلوح للأُسطى في سيارة الأجرة، ولا يمكن للأراجوز أن يكون له أصدقاء أو أحباء غير عمي رجب.
العالم مليء بالأشرار والأخطار يا أراجوز.
هكذا يرد عليه عمي رجب.
ليس لعمي رجب أبناء أو أحباء، لذا يعتقد الأراجوز أنه فعلًا ابن عمي رجب، ويسأله الأراجوز بصوت فيه بحة خفيفة: هل هنالك هدية لي جديدة أو عطية أكيدة؟ يعرف عمي رجب أنه يضعف أمام هذا السؤال ويوعد الأراجوز الصغير أنه سيجلب له هدية في العيد القادم، لكن عليه أن ينام جيدًا، وأن يصحو باكرًا تمامًا مثل عمي رجب.
لأن من يحلم كثيرًا سيلسعه الناموس، وقد تكون لسعة البعوضة مؤذية للغاية، ويسرد الأراجوز لعمي رجب ما يتذكره حين بلع ذبابة في الماضي، كان يثرثر كثيرًا، وبلعها فجأة، وشعر بالندم الشديد لأنه بلع الحشرة وقال لعمي رجب:
أنت محق يا عمي رجب، العالم مليء بالأشرار.
الناموس، الذباب والأطفال الذين يضحكون على طرطور رأسه الصغير.
ويصدحون في وجهه أن مخروطه الذي فوق رأسه يبدو مضحكًا للغاية.
لكن الأراجوز يكمل العرض يا عيني ليس من أجل الفول والقصب، لكنه يؤديه بصدق من أجل حبه العظيم لعمي رجب.
