إبستين من زاوية فلسفية

 

 

حسين الراوي

 

قصة جيفري إبستين ليست مجرد سيرة إجرامية فردية، بل مرآة تكشف عن الظلام الكامن في السلطة والإنسان. لنغص معًا في هذه القصة من منظور فلسفي، لنفهم لماذا ينتشر الفساد غالبًا بين أصحاب النفوذ، وكيف يُدار العالم بهذه القذارة الصامتة، وكيف يتقاطع شغف هؤلاء الأشخاص واهتماماتهم وأوهامهم المشتركة. هذه ليست مجرد فلسفة نظرية، بل تأمل شخصي في عالم يختبئ خلفه الكثير من الأسرار والقوة الغامضة.

إن تساءلنا لماذا يمتد الفساد إلى الرؤوس الكبار؟ فإن اللورد جون أكتون يقول: "السلطة تميل إلى الفساد، والسلطة المطلقة تفسد مطلقًا". هذا يعني أن الصعود إلى القمة يقلل من المساءلة ويزيد من الإغراءات. إبستين، الذي جاء من خلفية متواضعة، صعد سريعًا إلى عالم المليارديرات، ولم يكن المال وحده ما جعله خطرًا، بل القدرة على التحكم بالآخرين وإخفاء أفعاله ضمن شبكة علاقاته، التي سمحت له بأن يعيش فوق القانون تقريبًا.

وفق نيتشه، "الإرادة إلى السلطة" هي الدافع الأساسي للإنسان نحو النمو والسيطرة، وهي قوة محايدة بطبيعتها، لكنها تصبح مدمرة حين تتحول إلى طموح بلا حدود. في حالة إبستين، حول هذا الدافع ثروته وعلاقاته إلى شبكة نفوذ بلا ضوابط، على حساب أولئك الذين لم يجدوا حماية أو ملاذًا، والذين أصبحوا مجرد أدوات لتحقيق رغباته.

هنا تظهر "بانالية الشر" لدى هانا أرندت: الشر لا يأتي دائمًا من أشخاص شيطانيين، بل يصبح مألوفًا داخل الدوائر المغلقة. هكذا بدأت شبكة إبستين، تدريجيًا، من صفقات مالية إلى مناطق رمادية أخلاقية، ثم إلى استغلال قاصرات، حتى بدا الفساد جزءًا من حياته اليومية وطبيعة النظام الذي بناه.

لكن هذه البانالية لا تقتصر على إبستين وحده؛ إنها تتجسد بشكل أكثر تعقيدًا وإزعاجًا في شخص غيسلين ماكسويل. لم تكن مجرد "مساعدة" أو شريكة ثانوية، بل المهندسة الرئيسية لعملية التجنيد، الإدارة اليومية، والتغطية على الجرائم. امرأة تستغل بنات صغيرات نيابة عن رجل- وغالبًا باسم “الصداقة” أو “الفرص”- تضيف طبقة مزدوجة إلى بانالية الشر: الشر الذي يأتي من داخل الجنس الذي يُفترض أنه يحمي، والذي يجعل الاستغلال أكثر طبيعية داخل الطبقة الاجتماعية نفسها. حتى بعد إدانتها بـ20 عامًا، وبعد إصدار ملايين الصفحات من الملفات في يناير 2026، رفضت ماكسويل الإجابة على أسئلة لجنة الكونغرس في فبراير 2026، مستندة إلى التعديل الخامس؛ بل عرضت- عبر محاميها- التعاون الكامل مقابل عفو رئاسي من الرئيس ترامب، مدعية أنها قادرة على “تبرئة” أسماء كبيرة مثل ترامب نفسه وكلينتون. هذا ليس مجرد صمت؛ إنه استمرار لـ”سوء النية” الجماعي، حيث يُستخدم الصمت نفسه كأداة تفاوض للحفاظ على النظام القديم.

وإن تعجبنا كيف يُدار العالم بهذا الشكل القذر؟! فبالتأكيد العالم ليس قذرًا بالكامل، لكنه يحتوي على طبقات من الفساد المنهجي. يرى جون راولز في نظريته عن العدالة أنه لو صممت قواعد المجتمع وأنت لا تعرف موقعك فيه، ستختار قواعد عادلة. النخب الحقيقية تعرف موقعها، فتفضل نظامًا يحمي امتيازاتها ويسمح بالإفلات من العقاب، وهو ما يفسر لماذا يُحاسب الفقراء بشدة بينما يُحمى أصحاب السلطة. إبستين ظل بعيدًا عن العقاب لفترة طويلة، لأن النظام الذي صنعه المجتمع لم يشمل المراقبة الحقيقية للنخبة.

كما يوضح ميشيل فوكو، أن السلطة ليست مجرد قمع من الأعلى، بل شبكة علاقات تنتج المعرفة وتتحكم بها. إبستين سيطر على السردية، وعزل معلوماته عن الجمهور، فبدت أفعاله طبيعية أو غير مثبتة، وجعل من جزيرته وقصوره وطائرته رموزًا لعالم منفصل عن القوانين، عالم يمكن فيه للمرء أن يفعل أي شيء طالما بقي في الظل.

والأخطر: الجنس هنا لم يكن غاية بحد ذاتها دائمًا، بل غالبًا وسيلة للسيطرة. ما يُسمى “فخ العسل” التصوير السري، التسجيلات، الابتزاز المحتمل، يحول الرغبة الجنسية إلى أداة سلطة حقيقية. هل كانت الجزيرة مجرد ملهى للنخب، أم مشروعًا أوسع للسيطرة على الرجال الأقوياء أنفسهم عبر معرفة أسرارهم؟ حتى لو لم تثبت الروابط الاستخباراتية بشكل قاطع، فإن مجرد احتمال ذلك يكشف هشاشة السلطة: حين تصبح المعرفة (السرية) أقوى من القانون نفسه.

وإن فكرنا كيف يتقاطع شغفهم واهتماماتهم؟ فبالتأكيد إن تجمع هؤلاء الأشخاص ليس بالصدفة، بل بسبب الانجذاب المشترك. سارتر تحدث عن “سوء النية”: الإنسان مسؤول عن أفعاله، لكنه غالبًا ما ينكر هذه الحرية ويبررها كأنها نتيجة النظام أو ضرورة اجتماعية. في النخب الفاسدة، ينكرون مسؤوليتهم الأخلاقية، يحمي بعضهم بعضًا، ويستمر الفساد دون شعور بالذنب.

هذا التقاطع لا يأتي من الشهوة وحدها، بل من غرور مشترك: الإيمان بأنهم “فوق”، فوق الأخلاق البورجوازية، فوق القانون، فوق الطبيعة البشرية العادية. الاستغلال الجنسي للقاصرات يصبح، في هذا السياق، تقليدًا كاريكاتيريًا وزائفًا لفكرة نيتشه عن “الإنسان الأعلى”؛ حيث يتوهمون أنهم كائنات استثنائية تكسر المحرمات لأنها “تستطيع”، بينما هم في الحقيقة أسرى أدنى غرائزهم. الثروة المتطرفة تُضخم هذا الوهم، فتصبح الجريمة ليست خطًا، بل تعبيرًا عن تفوقهم المزعوم.

لكن لننظر إلى الضحايا، هؤلاء القاصرات لم يكن وجودهن مجرد أرقام، بل كائنات بشرية حقيقية، أُخضعن لشبكة قوة استغلّت خوفهن وبراءتهن. إن تجاهل الضحايا أو محوهم من التفكير يكشف أحد أكبر أخطار السلطة: حين يصبح الإنسان مجرد أداة، ويتلاشى إحساس النظام بالعدالة. أسماء مثل فيرجينيا جيوفري وغيرها ليست مجرد “شهادات”، بل أصوات حقيقية تذكرنا بأن الفلسفة لا تكتمل إلا إذا وضعت الضحية في مركز التأمل، لا على الهامش.

إن عُدنا إلى درس فرانكشتاين، فإننا سنجد أن قصة إبستين تذكرنا بأسطورة فرانكشتاين لماري شيلي. يُبدع الإنسان وحشًا بحثًا عن السيطرة والمعرفة، لكنه يتناسى مسؤوليته، فيهرب الوحش ويترك الدمار وراءه. هكذا النخب التي تبني شبكات فساد هائلة: يخلقون أنظمة استغلال ثم يفقدون السيطرة عليها، ويهربون من المسؤولية. الفساد ليس قدرًا محتومًا؛ بل نتيجة غرور وإهمال للواجب الأخلاقي.

والأخطر من إبستين نفسه هو أن النظام، حتى بعد موته، وبعد إصدار أكثر من 3.5 مليون صفحة في 2026 تؤكد غياب “قائمة عملاء” رسمية واضحة، وتكشف شبكة علاقات هائلة مع تشويش مشبوه مستمرة، ما زال قادرًا على حماية معظمهم. ماكسويل تطالب بالعفو كأن شيئًا لم يكن، والنخب تستمر في صمتها أو تبريرها. هذا يعني أن الوحش لم يمت؛ إنه تطور وأصبح جزءًا من النظام نفسه.

لكن السؤال الأكثر قلقًا يبقى مفتوحًا: هل المشكلة في إبستين وحده، أم في نظام يسمح لمثله بالصعود، واختباء الوحوش خلف الستار؟ وكم من هذه الوحوش لا نعرف عنها شيئًا بعد؟ الفلسفة هنا لا تقدم إجابات جاهزة، بل تتركنا مع سؤال مفتوح: كيف يمكن لنظام تتحكم فيه السلطة والثروة أن يضمن العدالة ويحاسب المسيئين؟

بالنهاية، رغم الظلام الذي يكشفه هذا المثال، تمنحنا الفلسفة فرصة للوعي والمساءلة: بأن نفهم كيف تعمل السلطة، وأن نرفض أن يصبح “سوء النية” مبررًا مقبولًا، وأن نطالب بأن لا يكون الفساد قدرًا محتومًا، بل نتيجة اختيارات البشر وإهمالهم لمسؤولياتهم الأخلاقية.

هكذا، تصبح قصة إبستين أكثر من مجرد مأساة فردية، إنها درس صارخ في هشاشة الأخلاق والعدالة في عالم تتحكم فيه النفوذ والثروة، وتذكير بأن أولئك الذين يعيشون فوق القانون ليسوا استثناءً غريبًا، بل نتيجة نظام يسمح لهم بالبقاء هناك.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z