شهادات عليا.. فماذا بعد؟

 

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

حين نحتفل بحصول شاب أو شابة على شهادةٍ عليا، فإننا- في العمق- لا نحتفل بورقةٍ مؤطرة؛ بل نحتفل بوعدٍ جديد: وعدٍ بالمعرفة المسؤولة، وبقدرةٍ أعلى على التحليل، وبطاقةٍ يمكن أن تتحول إلى أثرٍ ملموس في المجتمع والاقتصاد. لكن السؤال الذي يجب أن يُقال بصوتٍ واضح: ماذا بعد الشهادة؟ وأين يذهب كل هذا الجهد إذا لم يُترجم إلى قيمةٍ تُرى وتُقاس؟

إنّ درجات الدراسات العليا ليست محطةً أكاديمية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون امتيازًا وظيفيًا. فليس كل من يحمل مؤهلًا عاليًا قد أضاف لذاته أو لوطنه، كما أن قيمة العالِم لا تُقاس بعدد الحروف في رسالته، بل بقدر ما تُنير من طريق، وتُخفّف من مشكلة، وتفتح من فرصة. الشهادة في معناها الأصيل تدريبٌ صارم على التفكير، وعلى طرح الأسئلة الصحيحة، وعلى البحث عن حلولٍ محلية بعيونٍ علمية لا تُقلّد ولا تُجمّل الواقع.

ومن هنا، فإن الخلل لا يكمن في ازدياد أعداد الحاصلين على المؤهلات العليا؛ بل في بقاء جزءٍ من هذه المؤهلات “صامتًا” داخل الأدراج أو السِّير الذاتية، لا داخل المختبرات، ولا السياسات، ولا المشاريع، ولا المنصات المعرفية. إننا نحتاج إلى انتقالٍ واعٍ من “ثقافة التراكم” إلى “ثقافة الأثر”، ومن “الكمّ” إلى “الكيف”، ومن “الوجاهة” إلى "الإجادة".

وفي المقابل، بدأت بعض الظواهر تُقلق المشهد الأكاديمي: عناوين كبيرة بلا إسهامٍ حقيقي، أبحاث تُستنسخ من بيئاتٍ أخرى دون صلةٍ بسياقنا، ورسائل تُكتب لتلبية شرطٍ وظيفي لا لتأسيس معرفةٍ جديدة. وهذه الممارسات – مهما بدت فردية – تُضعف الثقة العامة، وتُفرغ البحث العلمي من معناه، وتحوّل الجامعات إلى منصاتٍ لإنتاج الشهادات بدل إنتاج الحلول.

هنا تأتي أهمية التحول الوطني الذي تقوده رؤية "عُمان 2040"؛ رؤيةٌ وضعت التعليم والبحث العلمي والابتكار في قلب التنافسية الاقتصادية وبناء الإنسان. والرسالة واضحة: المستقبل لن تُمسكه الدول التي تُكثر من الشهادات، بل التي تُحسن توظيفها. ولن يربح السباق من يكتب أكثر، بل من يُحوّل المعرفة إلى منتج، والبحث إلى سياسة، والابتكار إلى شركة، أو تقنية، أو خدمة عامة تُحسّن حياة الناس.

ولكي يتحقق هذا التحول، فنحن بحاجة إلى منظومةٍ متكاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الدراسات العليا وسوق العمل والاقتصاد. منظومة تبدأ من الجامعات بتحديد أولويات بحثية مرتبطة بتحدياتنا الحقيقية (المياه، الطاقة، الصحة، التعليم، جودة الخدمات، والاستدامة)، ولا تنتهي عند المؤسسات بإتاحة المجال لحملة المؤهلات العليا للمشاركة في مراكز التفكير وصناعة القرار، وتكليفهم بملفاتٍ نوعية لا شكلية، وتقييم أثر إسهامهم لا مجرد حضورهم.

كما إن تحويل البحوث إلى فرصٍ اقتصادية لا يتحقق بالشعارات، بل بأدواتٍ واضحة: حاضنات ومسرّعات، مكاتب نقل تقنية، مسارات لحماية الملكية الفكرية، وشراكات بحثية مع القطاع الخاص، وتمويلٍ يربط الدعم بالمخرجات القابلة للتطبيق. إنّ البحث الذي لا يجد طريقه إلى المجتمع أو السوق غالبًا ما يظل “منجزًا ناقصًا”، حتى لو كان مكتوبًا بإتقان.

ومن جانبٍ آخر، تقع على عاتق حملة المؤهلات العليا مسؤولية لا تقل أهمية: أن يخرجوا من دائرة “البحث لأجل الدرجة” إلى “البحث لأجل الفكرة”، وأن يتعاملوا مع علمهم بوصفه مشروعًا طويل الأمد، يتجدد بالتعلم المستمر، وبالانخراط في فرق العمل، وبالإسهام في نشر الوعي العلمي، وبالجرأة على طرح المبادرات لا انتظار التكليف.

إنّ عُمان اليوم لا تحتاج مزيدًا من الألقاب بقدر ما تحتاج مزيدًا من العقول التي تُنجز: عقول تُحسّن القرار، وتبتكر الحلول، وتختصر الوقت والتكلفة، وتضيف للاقتصاد قيمةً من داخل المعرفة. فالمؤهل العالي حين يُستثمر كما ينبغي يصبح رافعةً وطنية، وحين يُترك بلا توجيهٍ وأثر يتحول إلى فرصةٍ مهدرة.

وفي ختام القول.. إنَّ الدراسات العليا ليست نهاية الطريق؛ بل بدايته. هي بداية سؤالٍ أكبر عن دور صاحبها، وعن نصيبه من مسؤولية النهضة، وعن قدرته على تحويل العلم إلى منفعة. فهل نريد من الشهادة أن تكون عنوانًا اجتماعيًا… أم نريدها أن تكون أداةً لصناعة المستقبل؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z