وصمة مبنية على السمع

 

 

فاطمة الحارثية

لم نُعط علم السَرائِر فلا تحدثني عن نيتك، منطوقك وسلوكك هي الحقيقة المُطلقة بالنسبة لنا، فلا تسلب فرحة النَّاس وصما، لتتعذر بنية غريبة حسب مفهوم "خير"، وكأنه خير إبليس؛ يتبادر للبعض معتقد جدوى التملص من مسؤولية أذى الآخرين والتعدي عليهم بحجة النية الطيبة، عُذر باطل من أساسه، يستخفون عنَّا ولا يستخفون من الله. 

المسألة ليست مشتركة بيننا كسلوك، وإن اتفقنا قولا أن معظمنا يود العيش على الاتزان الداخلي في سلام مع نفسه والآخرين، يغفر ويتغافل، رغم ما يتعاقب أمامه ويتشكل من الخبرات والتفاعلات والمُعاملات، لأنَّ حقيقة أنَّ ثمة من يستمتع بفعل الشر ويعتبر متعته وتسليته تكمن في مشاهدة ألم الآخرين، وانطفاء سعادتهم وسلامهم، وكأن الحزن والدمار مصدر انتصاره، وراحته الذاتية، واقع لا يمكن إنكاره، ويشهد على ذلك القضايا العامة، وردود الفعل بين مؤيد ومعارض للحروب وسفك الدماء، وما نقرأه في مواقع التواصل الاجتماعي القريبة منَّا، عن مصاب يُقال فيه "ربنا يعافيه" و"يستاهل".

الرحلة على هذه الأرض قصيرة جدا وأيامها معدودة، والإنسانية شريعة بقاء، والخروج منها بأقل الخسائر انتصارا، ووجب عدم الاستهانة بسلوكياتنا، ومراقبة ردود أفعالنا يقي الشخص نفسه أولاً، ثم غيره من عواقب تدهور الروابط الإنسانية والمجتمعية، وقبل التعلق أو الخوف من الفقد لنكن مع وعي أن لا شيء دائم، نعم بذلت الجهد وسعيت بكل ما لديك من قوة، مع ذلك تذكر ثمة من اجتهد ربما أكثر منك لكن مع انتصارك خسر، والدائرة تتجدد وسيأتي وقت انتصار الآخر، فلا تخسر نفسك ومن دعمك بعد أن بلغت مرادك، مقابل جبروت بضع سنين أو أقل.

عندما تستنكر سوك أحدهم وتنتقده بشدة، ثم تأتي بمثله، أين حقيقتك بينهما، هل التكرار وتعدد بشاعة السلوك يتحول الى أمر مُسلم به، ينال القبول والتقليد؟ أم أن ضعاف الشخصية تستمر حياتهم بتقمص الآخرين، والضياع بين قول هذا وفعل ذاك؟ إذا فثمة أزمة صحوة هنا، والدعوة نحو مراجعة الذات أمر مهم، فربما تخدعك نفسك بغير ما أنت عليه.

إيماني ويقيني من مبدأ "لا إكراه"، يُلهمني كيفية الابتعاد عن تعقيدات التعلق واضطرابات النفس وخيالاتها، فأنا لا اختار من أقابل، ولا يختار الآخر ذلك أيضا، فالقدر من يرسم الطريق، لكننا نستطيع أن نحكم كيف نتعامل مع بعضنا البعض، ونشكل هوية العلاقة والغرض منها، وأعتقد أنَّ العلاقات الضائعة هي نتيجة طبيعية لعلاقات لم يتم تعريفها، أو لنقل متضاربة، على سبيل المثال حب مقابل كره، غيرة مقابل عطاء أو التناقض الطبيعي، مثل الذي بين الشخصية السلبية والشخصية الإيجابية (المرح مع النكد)، على كل الأطراف القراءة الصادقة لمشاعرهم، من أجل فهم العلاقات التي نشكلها كل يوم، حتى لا نظلم ولا نُظلم، ونُحسن التصرف بتقويم النفس والهوى، وتهذيب اللسان والسلوك.

التفاعلات الإنسانية هي مرآة لذواتنا، تخبرنا الكثير، وتكشف لنا ما لا يستطيع اللسان الجبان البوح به، ولا ننال من نكران الأمر أو الاستسلام له سوى الأذى، خاصة إن كان الطرف الآخر معاكس لنا، على مر السنوات تذكر عدد من رفضت مشاعرهم مقابل من رفضك، لا تقل لا يُحبني أحد لأنَّ "إنكارك" جزء من الرفض، كم أفسدت وندمت، وكم تمنيت أن يعود الزمن لتبث ابتسامة سهوت أن ترسلها وأنت منغمس في معركة الحياة، يستهزئ البعض عندما أتحدث عن الحب الإنساني، خاصة أولئك الذين جرموا الحُب ودنسوا هويته، المودة جزء من الحب، إن وجدت الأعذار لمن احمل له المودة، لا يجب في المقابل أن أتوقع مسامحته حين أُخطأ؛ فالمشاعر الصادقة النبيلة لا تنتظر المقابل، وإن كان مرحبًا بها وقُبلت فلا بأس، وإن أسيئ إليها أنأى بنفسك وأنزوي احتراما لذاتك وتكريما لمشاعرك، فنعمة العواطف والمشاعر عظيمة جدا وجب تقديس من وهبنا إياها وحُسن شكره باحترامها وتكريمها.

وإن طال...

قالت لي: وددتُ أن أخطئ مثلكم، أن أتعلق، أن أمارس ما تمارسونه من خطايا، أن أُزيِّن لنفسي متاع الدنيا وغرورها، لكن، النفس أبت، والجسد تعلل، فكانت وصمة مبنية على السمع.

كل حرص واهتمام أصبح عصبية، وكل وصدق أصبح تعصبًا... إلى أين أيها الناس؟!

الأكثر قراءة

z