لبنان في زمن التحديات.. حين تصبح الدولة استثناءً في إقليم التفكيك

 

 

جان يعقوب جبور

مصطلح "سورياستان" ليس توصيفًا جغرافيًا بقدر ما هو وصف لحالة بدأت من سوريا ثم تسرّبت إلى الإقليم كلّه: دولة مكسورة، سيادة مُجزّأة، حكام وحكومات خانعة، شعبٌ حائرٌ مشتتٌ وحدود موجودة على الخريطة فقط.

لم يعد ما يعيشه لبنان أزمة عابرة، ولا مجرّد فشل في الإدارة أو سوء حظ تاريخي. ما يعيشه هو انتماء قسري إلى زمن إقليمي جديد بدأ من سوريا عام 2011، ثم تمدّد بصمت إلى جواره، حتى صار اسمه الواقعي: زمن "سورياستان". زمن تُفكَّك فيه الدول من الداخل، وتُدار أزماتها بدل حلّها، وتتحوّل فيه السيادة إلى ملف تفاوضي لا حقًّا ثابتًا. لبنان اليوم ليس خارج هذا الزمن، بل في قلبه.

من دمشق إلى بيروت: انتقال النموذج لا العدوى

عندما اندلعت الحرب السورية (2011) وتحوّلت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة (2012–2013)، بدا للبنانيين أن ما يجري هو خلف الحدود. لكن سرعان ما تبيّن أن النموذج نفسه قابل للاستنساخ: كسر احتكار الدولة للسلاح، تعدّد مراكز القرار، وتدويل السياسة الداخلية. في لبنان، لم يقع الانهيار دفعة واحدة، بل تدرّج على الشكل التالي: حرب تموز 2006 أكّدت أن قرار الحرب خارج الدولة؛ شلل المؤسسات الدستورية المتكرر منذ 2014؛ تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية أكثر من مرة (آخرها بعد 2022)؛ والانهيار المالي والاقتصادي الشامل منذ خريف 2019 (البنك الدولي). هذه ليست أحداثًا منفصلة، بل مسار واحد: تفريغ الدولة من مضمونها، مع الإبقاء على شكلها.

الدولة التي لا تسقط ولا تقوم

لبنان اليوم مثال نموذجي لـ"سورياستان" الناعمة؛ لا حرب أهلية شاملة، لكن: لا سيادة كاملة، لا قرار مركزي، لا محاسبة ولا أفق زمني للأزمة. الدولة موجودة بالاسم، لكن إرادتها معلّقة. أزماتها تُدار عبر التسويات المؤقتة، لا عبر الحلول. الانهيار يُحتوى، لا يُعالج. والفراغ يتحوّل إلى أداة حكم. في هذا النموذج، لا يُطرح سؤال: كيف نبني دولة؟ بل للأسف: كيف نمنع انهيارها الكامل من دون أن تستعيد عافيتها؟

"سورياستان" كإطار إقليمي

ما يجعل الحالة اللبنانية أخطر، أنها ليست استثناءً. العراق يعيش سيادة مجزّأة منذ 2003، واليمن حربًا مفتوحة منذ 2015، وفلسطين انقسامًا قاتلًا منذ 2007. وسوريا نفسها ما زالت حتى اليوم (2025) دولة بلا قرار سيادي موحّد، رغم توقف المعارك الواسعة. القاسم المشترك بين هذه الحالات هو الآتي: دولة ضعيفة أفضل للقوى الخارجية من دولة مستقلة؛ نخب محلية تفضّل النفوذ داخل الفوضى على حكم دولة قوية؛ ومجتمع يُرهَق حتى يعتاد الانهيار.

لبنان: المختبر الأكثر حساسية

خطورة لبنان أنه بلد صغير، هشّ، ومتداخل عضويًا مع الإقليم. أي نموذج يُعمَّم في المنطقة يظهر فيه بسرعة. لذلك تحوّل إلى مختبر دائم: للتعطيل الدستوري، للاقتصاد الريعي المنهار ولتعايش السلاح مع الدولة لا تحتها. وما يجري اليوم ليس صدفة، بل وظيفة سياسية: إبقاء لبنان في منطقة رمادية، لا ينهار كليًا ولا ينهض فعليًا.

تطبيع الانهيار

الأخطر من الانهيار نفسه هو تطبيعه. حين يصبح فقدان الودائع واقعًا، وانهيار العملة أمرًا طبيعيًا، وفراغ الرئاسة تفصيلًا دستوريًا، نكون قد دخلنا عمق "سورياستان". هنا لا تُحلّ الأزمات، بل تُدار. ولا يُحاسَب الفشل، بل يُعاد تدويره.

كيف نستطيع الخروج من هذه الأزمة؟

الخروج من "سورياستان" اللبنانية لا يكون بإجراءات تقنية أو دعم مالي فقط، بل بقرار سياسي سيادي يعيد طرح السؤال الممنوع: من يحكم لبنان؟ وبأي حق؟ ولصالح من؟ لا دولة: من دون سلاح موحد لحمايتها، ولا بسيادة منقوصة، ولا بمؤسسات تُعطَّل عند كل استحقاق. إما دولة كاملة، أو استمرار في هذا الزمن المعلّق.

وفي الخلاصة.. لبنان اليوم ليس ضحية ظرف، بل أسير نموذج. نموذج بدأ من دمشق عام 2011، وتحوّل إلى سياسة إقليمية: تفكيك بلا إسقاط، وانهيار بلا نهاية. نعم، ومن خلال قراءتي ومشاهداتي على مستوى السياسات في المنطقة ونوعية وخنوع الأنظمة فيها، نحن في زمن "سورياستان".

لكن هل سيطول هذا الزمن؟ وفق المعطيات الحالية الجواب صعب جدًا ويعتمد على مصالح الخارج داخل بلداننا ومدى انبثاق حكوماتنا من رحم الشعب، ولكن مهما طال، لا يُنتج استقرارًا. والدولة، مهما أُجّلت، تعود سؤالًا لا يمكن الهروب منه. وفي لبنان، هذا السؤال لم يعد فكريًا، بل وجوديًا!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z