د. إسماعيل بن صالح الأغبري
يبدو أنَّ القوى الغربية قد قررت مُلاحقة كل القوى والدول المُمانعة؛ سواء أكانت ذات عقيدة أيديولوجية إسلامية أو اشتراكية أو كانت قريبة من الحدود الغربية أو بعيدة لكنها قريبة من إسرائيل مشروع القوى الغربية، وصناعتها الذي من المستحيل خذلانه.
صحيحٌ لم يُطالب أحد من تلك القوى بلسان المقال بنزع سلاح إيران، ولا يتصور صدور ذلك صراحة وعلانية إلا أنَّ لسان الحال، ومجريات الأحداث من حشد القوى البحرية والجوية حتى أصبحت كالجراد المُنتشر في هذه المنطقة وعلى مختلف المضائق الضيقة تشير إلى الرغبة الجامحة والتصميم الذي يصعب الرجوع عنه كما إن قيام الاتحاد الأوربي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة "إرهابية"! يشير إلى عزم غربي على إبقاء إيران جسدا لا روح له، وعظما غير مكسو بأسباب القوة.
قام الجيش الإسرائيلي ولمدة عامين ومنذ السابع من أكتوبر عام 2023 وعلى مرأى ومسمع من المراقبين والصحفيين الإقليميين والدوليين وبناء على التقارير الدولية ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" وبعد ارتكاب إسرائيل حرب الإبادة الجماعية، وبعد قتلها ما يزيد عن السبعين ألف فلسطيني أكثرهم أطفال ونساء ومدنيون، ومع ذلك لم تسارع الدول الغربية للإدانة الجادة لما قامت به إسرائيل، ولم تفكر في فرض عقوبات على قادة الجيش الإسرائيلي، فضلًا عن مجرد التفكير في اعتبار الجيش الإسرائيلي جيشا إرهابيا؟!
يتم تهديد الجمهورية الإسلامية بعد حصار اقتصادي خانق عليها دام أكثر من 45 عامًا تحت ذرائع مختلفة منها مخافة صناعة إيران قنبلة وأسلحة نووية رغم أشد أنواع المراقبة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتارة تحت ذريعة ردع إيران عن انتهاكات حقوق الإنسان؟! وكأنَّ الغرب احترم حق التظاهر في الجامعات والكليات والشوارع؟ وكأنه احترم حق التعبير وإبداء الرأي والتضامن مع أهل غزة، بل حجر عليهم حتى مجرد رفع العلم الفلسطيني أو استخدام إشارة النصر التي يلوح بها الفلسطينيون؟!!
سلاح حلفاء إيران في فلسطين ولبنان قد تم نزعه أو يكاد، وكذلك تم قطع المدد العسكري عن الحلفاء، فلا يكاد يطير طائر في الأجواء القريبة من حلفاء إيران في فلسطين ولبنان إلا ويتم رصده، ولا تكاد قنينة ماء تعبر المعابر الدولية إلا وتخضع إلى التدقيق أي أنه تم تجفيف موارد وصول السلاح أو تهريبه.
بقي الرأس الذي يراه الغرب سبب إحياء المقاومة التي تجددت في الثمانينات وما بعدها من القرن العشرين بثوب إسلامي بعد أن كانت ترتدي في الخمسينات والستينات من القرن العشرين الميلادي أثوابا قومية وناصرية، وكان داعمها الأكبر الزعيم المصري جمال عبد الناصر.
سلاح إيران وأثوابها الثقيلة تكمن في 3 أنواع: الطاقة النووية وتخصيب اليورانيوم، وترى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والاتحاد الأوربي وجوب منع التخصيب في إيران أي حرمانها من ذلك على أراضيها مع وجوب تسليم 400 طن من اليورانيوم المخصب، علما بأنَّ وكالة الطاقة الذرية لم تؤكد ولا مرة أن هناك ما يدل على أن إيران تستعد لصنع قنبلة نووية ووجود أجهزة الرصد المكثفة (أدوات التصوير) يعيق وقوع المحذور، ثم إن مطالبة إيران بأن يكون التخصيب صفرا على أراضيها مع إمكانية الإذن لدول في المنطقة بالقيام بالتخصيب لأغراض سلمية فيه إهانة للسيادة الإيرانية وفيه استفزاز لها أيضاً كما أن استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية حق مشروع لإيران وغير إيران فما هو موجب منعها منه، وإباحته لغيرها؟
وهناك سلاح آخر تحاول إسرائيل والغرب تجريد إيران منه وهو القوة الصاروخية البالستية، وتلك القوة الصاروخية أثبتت حرب الاثنا عشر يوما مع إسرائيل أنها درعها وحصنها وملاذها ولولا تلك القوة لما امتلكت أي أداة لضرب حيفا وتل أبيب وغيرها ولما كان بين يديها أي أداة رد أو ضغط أو دفاع، تلك الصواريخ بمثابة المنقذ والمخلص لها فإن أوقفت تلك الصناعة كان ذلك هو الاستسلام بعينه، فلا هي مسموح لها بالتسلح من الخارج، ولا هي مسموح لها بالتزود من سلاح صُنع في إيران؟
وتقترح تلك القوى على الجمهورية الإسلامية تخفيض مديات الصواريخ لكي تكون بين 300 و500 كيلومتر؛ أي إذا أُطلقت من طهران لا تكاد تبلغ مدينة مشهد، ففي هذه الحالة لمن تُصنع الصواريخ؟ وعلى من تُطلقها؟ هل على الداخل؟! إن صناعة الدول للسلاح لردع العدوان الخارجي فما فائدة صناعتها للصواريخ وهي لن تتجاوز مدينة مشهد إن أُطلقت من طهران؟!
إذا كانت الدول الغربية وإسرائيل تشدد الضغط على إيران في سبيل جعل التخصيب صفرا ثم تشدد عليها في مجال مديات الصناعة الصاروخية فهذا يعني أن أدنى دولة تسليحا في المنطقة يمكنها استباحة إيران برا وجوا وبحرا وبذلك يمكن لإسرائيل أن تستبيح إيران كما أرادت، وتقصف ما أرادت قصفه كالذي يقع حاليا على المقاومة في فلسطين ولبنان بعد توقيع الاتفاقيات مع تلك الأطراف.
وافقت المقاومة اللبنانية على تسليم السلاح من جنوب الليطاني، وتسلم الجيش اللبناني مواقع حزب الله، ولم يطلق حتى الساعة رصاصة واحدة ردا على استباحة إسرائيل للبنان، والنتيجة أن إسرائيل بعد موافقة المقاومة لتلك الشروط صارت مكبلة غير قادرة على التملص، وليست قادرة على رد العدوان، وغير قادرة على استرجاع قوتها لأنها تراجعت عن الحدود مع إسرائيل.
يبدو أن إسرائيل والعالم الغربي يريد تطبيق النموذج العراقي على إيران، ذلك أن العراق تم منعه من تجاوز صواريخه مئة وخمسين كيلو متر وذلك بعد أن تمكن العراق من ضرب إسرائيل بعدة صواريخ أيام الرئيس السابق صدام حسين، والمدى الجديد ضمن عدم إمكانية العراق رد عدوان إسرائيل لعدم تمكن صواريخه من بلوغ إسرائيل!
لو سلمت إيران بما يُطلب منها في النووي ثم سلمت بما يطلب منها في مسألة مديات الصواريخ فما الذي يردع إسرائيل من العدوان عليها؟ ألن يقع عليها ذات ما يقع اليوم على لبنان والمقاومة فيها؟ ألن تغدو أجواء إيران مكشوفة غير قادرة على رد الطائرات المغيرة؟ ألن تقوم إسرائيل بالقتل اليومي للشخصيات الإيرانية كما يقع اليوم على عناصر حزب الله؟ ألن يقع على إيران ما يقع اليوم من قصف يومي على غزة واغتيال مستمر لأعضاء من المقاومة الإسلامية حماس؟
الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والغرب يطالب إيران بالتخلي عن حلفائها أو ما يسميه الغرب أذرعها فلا تزويد لهم بالمال ولا بالسلاح، وهذا يعني انكفاء إيران على نفسها، ووصول التهديد عند حدودها أي أن أمنها القومي بات مهددا، ومن الغريب أن يصل الغرب وهو على عشرات الآلاف من الكيلو مترات إلى المنطقة، ويخلق له حلفاء كما كانت "قسد" الكردية مع أمريكا، ولم تتخل عنها إلا بعد ان استنفدت الغرض من وجودها، وهذا حسب تصريح الأمريكيين أنفسهم.
إسرائيل ذاتها تخلق الحلفاء في كل مكان، وتسعى إلى التطبيع ما يعني تمددها إلى أبعد حد عن حدودها.
إن مشكلة الغرب تكمن في رغبته في تجريد إيران من أثوابها الثلاثة حتى تبقى عارية دون أثواب! وهو ما لا يتصور قبوله من إيران، وعلى فرض موافقة إيران على تحديد مديات الصواريخ فإن ذلك سينعكس سلبا على نظرة الشعب للنظام الحاكم الذي رفع منذ عام 1979 شعار الاستقلال السياسي والثقافي.
لو قبل النظام اشتراطات الغرب فإنه يكون بذلك قد انتحر، وهيَّج عليه الموالين والمعارضين معًا.
ربما يقبل بصيغة من الصيغ الدبلوماسية، مسألة التخصيب خارج إيران وحتى التقليل من نسبة التخصيب، بل قد تقبل بطريقة من الطرق ما هو دون ذلك من التخصيب أو التجميد، وربما تقبل بصيغة من الصيغ مسألة خلق حلفاء أو دعم الحلفاء الحاليين، وقد يسهل عليها تسويق ذلك لعموم الشعب، لأن كثيرًا منهم يشتكي من تبديد ثرواته خارج بلاده، ومن قيام بلاده إعمار أحياء ومناطق خارج إيران بينما يوجد إيرانيون في أمس الحاجة إلى تلك المليارات.
أما مسألة مديات الصواريخ فإنه من الصعب على إيران أن تقبل بأي شيء يتعلق بها، فإن وافقت فكأنها صارت دولة منزوعة السلاح، وهو ما كانت إسرائيل من قبل تريده إذا قامت دولة للفلسطينيين.
إنَّ تاريخ إيران وبلاد فارس يمنعها من أن تصبح هيكلًا عظميًا بإملاء غربي إسرائيلي خاصة فيما يتعلق بالصواريخ، وإن الدولة الإيرانية الحالية المبنية على العقيدة الدينية تمنعها من الموافقة على وضع حد على قوتها الصاروخية، قد تستطيع إيران الوصول إلى تفاهم في مجالي النووي والعلاقة مع الحلفاء أما مسألة الصواريخ فإن الموافقة على مطالب الغرب معناه موافقة إيران على إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لاستباحتها في كل حين وآن، وهو الذي لا يمكن أن تقبله.
