محمد بن رامس الرواس
المُؤتمر الصحفي السنوي للادعاء العام بحضور سعادة المدعي العام نصر بن خميس الصواعي، حضرت الشفافية بقوة وتجلّت الشجاعة مثل الشمس في مواجهة الواقع، خاصة عندما تطرق سعادته في غير موضع إلى البحث عن الأسباب والحلول للقضايا المجتمعية، ولقد برزت في المؤشرات التي جرى استعراضها جُملة من القضايا تعكس حجم التحديات التي يواجهها مجتمعنا العُماني، ولقد شد انتباهي الجرائم المتعلقة بالناشئة التي عادةً ما تخلّف آثارًا طويلة الأمد على الفرد والمجتمع.
قضايا الاحداث وعلى رأسها جرائم التحرش بالأطفال بما تحمله من خطورة استثنائية، لا تقف عند حدود الاعتداء ذاته؛ بل تمتد آثارها النفسية والاجتماعية لسنوات، وقد ترافق الضحية مدى الحياة. وقد أظهرت الأرقام المعلنة تسجيل 1246 قضية تحرش بالأطفال في عام واحد، وهو رقم لا يمكن تجاوزه دون وقفة جادة ومسؤولة، وهو ما قام به مشكورًا سعادة المدعي العام، ولفت انتباهي عمق التساؤلات المشروعة التي طرحها سعادة المدعي العام، وكان أولها سؤالًا بسيطًا في صياغته، بالغًا في دلالته: أين وَجَدَ المعتدي الطفلَ؟
الجواب لا يُدين المكان بقدر ما يكشف عن ثغرات في منظومة الحماية والرقابة الأسرية، ويفتح باب التساؤل حول دور الأسرة والمجتمع في توفير فضاءات آمنة لأطفالنا خارج المنازل، ولا تتوقف الخطورة عند الجريمة الأصل؛ بل تمتد إلى القضايا التابعة لها، وهي جرائم قد تبدو أقل حدّة، لكنها تمثل البيئة الحاضنة للانحراف والمرحلة التمهيدية التي تسبق الاعتداء أو الجريمة الصريحة؛ فالإهمال وغياب التوجيه، وترك الأطفال في فضاءات غير آمنة، كلها عوامل يتراكم الخطر خلفها حتى ينفجر في صورة ملف قضائي.
ومثل هذه القضايا من أخطر القضايا، لما تنطوي عليه من انتهاك مباشر لحقٍ أصيل في الحماية والرعاية؛ فالحدث بحكم سِنِّهِ وعدم اكتمال وعيه، يكون أكثر عرضة للاستغلال والضغط، ما يجعل أي اعتداء عليه جريمة مضاعفة في أثرها ومسؤوليتها.
ولا يزال السؤال يفرض نفسه، وبقوة ما الأسباب؟!
ليست في حادثة واحدة ولا في مكان بعينه؛ بل في تراكم عوامل تبدأ بالإهمال، وتتغذى بضعف الوعي، وتتفاقم بغياب الرقابة الأسرية والمجتمعية، وبسوء استخدام الفضاءات العامة والرقمية، وبرغم أن القانون حاضر ليُحاسِب، لكن الوقاية تبدأ قبل ذلك بوعيٍ يقظ، وتربيةٍ مسؤولة، ومجتمعٍ لا يتغاضى.
إن النشء في المجتمع العُماني صمام الأمان الحقيقي للمجتمع، وهم الحلقة التي سوف تنقل السلوك والأخلاق والقيم من جيل إلى جيل، وما نغرسه اليوم في نفوسهم سنحصده واقعًا غدًا. وإن صلُحَت التربية صَلُحَ المجتمع، وإن أُهملت القيم تآكلت الملامح. وعليه فإن الاهتمام بالنشء ليس خيارًا تربويًا، بل ضرورة وطنية لمن يعي المسؤولية التي تتصل بأمن المجتمع واستقراره ومستقبله.
وعندما نتساءل: إذا لم نهتم بهذه القضايا، فما النتيجة؟ فإن الجواب واضح: مجتمع أقل أمانًا، ونشء أكثر عرضة للجنوح، وقيم تتآكل بصمت؛ فإهمال النشء قد لا تظهر آثاره فورًا، لكنه خلال ثلاثة أجيال كفيل بإضعاف المجتمع، وطمس مبادئه وأخلاقه، بثمنٍ يصعب تداركه.
إذن.. الرسالة واضحة: تبقى المسؤولية تشاركية بين الجميع، وتبدأ من الأسرة بوصفها خط الحماية الأول؛ حيث التربية، والرقابة، والحوار، والقدوة، وتتكامل بعد ذلك أدوار المدرسة والإعلام، والجهات الرسمية، والمجتمع المدني، كلٌّ من موقعه، في بناء منظومة حماية متماسكة، لا تنتظر وقوع الجريمة لتتحرك؛ بل تمنعها بالوعي قبل أن تواجهها بالعقوبة؛ فحماية الطفولة ليست مسؤولية جهة واحدة؛ بل واجب جماعي يُقاس بمدى قدرتنا على التعاون قبل فوات الأوان!
