في أحضان ظفار الخفية.. الجفاف يتحدى قوانين الحياة

 

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب

تكمن (Seddera Retusa) نجمة نادرة عالميًا تنمو فقط في جنوب عُمان، شاهدة على عبقرية الطبيعة في التكيف والصمود.

هذا النبات المُعمِّر، بزهوره البيضاء الناعمة التي تنغلق تحت الشمس الحارقة وتتفتح في الصباح الندي، يُعد كنزًا بيئيًا يستحق أن يُروى قصته للعالم.

اكتشف معي سر هذه النوادر الظفارية التي توثّقها قواعد البيانات العالمية مثل POWO جوهرة خضراء تستحق الاهتمام والحماية.

وجنوب سلطنة عُمان، وبالأخص محافظة ظفار، من أكثر مناطق شبه الجزيرة العربية ثراءً وتفرّدًا من حيث التنوع النباتي، لما تتميز به من تداخل بيئي نادر بين العوامل الجغرافية والمناخية. وفي هذا الإطار، يبرز أحد النباتات البرية النادرة التي حظيت بتوثيق علمي حديث نسبيًا في سجلات علم النبات العالمية، وهو نبات Seddera retusa R.R.Mill.

هذا النبات سُجِّل ووُثِّق رسميًا في سجلات علم النباتات العالمية المعتمدة، ويُعترف باسمه العلمي الصحيح ضمن قواعد البيانات النباتية الدولية المتخصصة، وعلى رأسها Plants of the World Online (POWO) التابعة لـ"حدائق كيو الملكية" (Royal Botanic Gardens, Kew)، وهي من أكثر الجهات العلمية موثوقية في تصنيف وتوثيق النباتات على مستوى العالم.

ويُعد Seddera retusa من النباتات ذات الانتشار المحدود جدًا، إذ يقتصر توثيقه العلمي المعروف حتى اليوم على سلطنة عُمان فقط، وبالتحديد في جنوب السلطنة بمحافظة ظفار؛ حيث ينمو في البيئات شبه الجافة، لا سيما في المناطق الصخرية والهضبية التي تتسم بندرة المياه وقسوة الظروف المناخية.

تكمن أهمية هذا النبات في كونه مثالًا واضحًا على النباتات المتخصصة بيئيًا، التي طوّرت صفاتها لتتلاءم مع ظروف الجفاف والتربة الفقيرة، وهو ما يمنحه قيمة علمية عالية في مجالات البيوجغرافيا النباتية ودراسات التكيّف البيئي والتنوع الأحيائي. كما أن محدودية انتشاره الجغرافي تجعله من الأنواع التي تستحق اهتمامًا بحثيًا أكبر من حيث الرصد، والتوثيق، والتقييم الحفظي.

إن تسجيل هذا النوع في السجلات العلمية العالمية، وربطه ميدانيًا ببيئات محددة في ظفار، يعكس الأهمية العالمية للغطاء النباتي العُماني، ويؤكد أن كثيرًا من نباتات المنطقة ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتوثيق العلمي الدقيق. كما يسلّط الضوء على الدور المحوري للبحث الميداني في كشف نوادر نباتية لم تحظَ بالاهتمام الكافي رغم قيمتها العلمية.

ويظل Seddera retusa شاهدًا حيًا على غنى النظم البيئية شبه الجافة في ظفار، وعلى الحاجة الملحّة إلى دعم البحث العلمي النباتي، ليس فقط بوصفه عملًا توثيقيًا، بل كركيزة أساسية لفهم الطبيعة وحمايتها للأجيال القادمة.

ويُعد نبات Seddera retusa من النباتات العشبية الأرضية التي تنمو قريبًا من سطح التربة، حيث يتخذ غالبًا نمط نمو منخفض مع قدرة بعض أفرعه على الارتفاع قليلًا دون أن يكون قائمًا تمامًا أو زاحفًا بصورة كاملة، مما يمنحه هيئة وسطية مميزة. وهو نبات معمر خشبي الساق يتفرع من القاعدة، يصل مترا في الطول، أوراقه بسيطة قاعدية في الأساس، تتجمع عند قاعدة النبات بشكل واضح، ومع تقدم العمر تتحول الأوراق أسفل النبات إلى دائرية وبيضاوية، والحديثة تكون أوراق رمحية ضيقة كاملة الحافة ومكسوة بزغب ناعم يمنحها لونًا مائلًا إلى الأخضر الرمادي. وتظهر على الساق بعض الأوراق الصغيرة المتباعدة، بينما تبقى معظم الكتلة الورقية قرب القاعدة. أما الساق فهي أسطوانية دقيقة ومشعّرة، تتفرع بخفة وتحمل الأزهار على أعناق رفيعة قصيرة.

وتتكون أزهار هذا النبات من خمس بتلات بيضاء منتظمة، ذات أخدود وسطي واضح يشطر كل بتلة طولياً ويمنحها مظهرًا مطويًا دقيقًا، وتتقارب البتلات عند التفتح لتشكّل دائرة صغيرة ذات منظر ناعم ومتناسق. وتتميز الأزهار بسلوك بيئي لافت، إذ قد تنغلق في ساعات النهار المشمسة الشديدة وتعود للانفتاح في الأجواء المعتدلة، وهو سلوك يتماشى مع طبيعة النبات في البيئات الجافة والمكشوفة. وفي مركز الزهرة تتموضع خمس أسدية قصيرة ذات متك أبيض بلوري منتفخ، وتحيط بها البتلات المتساوية في الحجم، ويظهر في وسط كل بتله أخدود نحيف مثلث شفاف ينتهي بخيط دقيق في نهاية وسط كل بتلة، مما يعطي الزهرة شكلاً متناظرًا جذابًا.

تتطور الأزهار بعد الإخصاب إلى ثمار صغيرة كروية محاطة بالكأس الذي يبقى ملتصقًا بها حتى مرحلة النضج، وتكون الثمار مغطاة بزغب خفيف وتظهر بفصوص كأسية قصيرة تحيط بها بإحكام. ويُعد وجود الكأس الدائم حول الثمرة من أهم العلامات التشخيصية لهذا النوع.

وينمو هذا النبات في الموائل المفتوحة ذات التربة الرملية أو الحصوية، وفي السفوح الصخرية والمناطق الجافة التي تتلقى أمطارًا موسمية محدودة. وتكسبه بنيته الزغبية ونمط نموه القريب من التربة قدرة عالية على التكيّف مع الظروف الحارة والجافة، مما يفسر وجوده في البيئات قليلة الغطاء النباتي.

ويعد هذا النوع من النباتات المميزة في بعض مناطق سلطنة عُمان، خصوصًا في الجنوب حيث تنعكس خصائصه بوضوح على شكله العام وزهوره الدقيقة وثماره الصغيرة التي تشكّل معًا هوية نباتية واضحة لهذا النوع.

صور داخل المقال (1).jpeg
صور داخل المقال (2).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z