حرب أم سلام؟!

حاتم الطائي

ترامب يُريد إشعال الحرب لتحقيق أهداف صهيونية خبيثة

أمريكا فشلت في هدم النظام الإيراني من الداخل رغم العقوبات القصوى

الدبلوماسية العُمانية بالتعاون مع الأطراف الإقليمية تحاول نزع فتيل الأزمة

 

لم يعُد من الصَّعب سماع طُبولِ الحرب التي تُدق في أنحاء المنطقة، وأصبحت مساعي نشر الألغام السياسية والعسكرية في منطقتنا العربية جلية للجميع؛ فالأساطيل الحربية الأمريكية تتزاحم في إقليمنا وترفع درجات الحرارة العسكرية في الخليج، وتُنذر بإشعال المنطقة، ليس من أجل انتزاع نصر مزعوم، وإنما لإرضاء شيطان صهيوني تنتابه أحلام يقظة لما يُسمى "الشرق الأوسط الكبير"، شرق أوسط مائع، منزوع المُقاومة، مقتول الإرادة، خاضِع ومُطبِّع مع ثُلة من العصابات النازية الصهيونية.

وبينما نرصد التطورات من حولنا، نتذكر الآية الكريمة: "كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ"؛ فما تشهده المنطقة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، يُؤكد أنَّ ثمَّة نار تشتعل، وغليان يُهدد بانفجارات لن يتمكن أحد من احتواء مخاطرها الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وحتى الاجتماعية والثقافية.

ففي أعقاب "طوفان الأقصى" المُبارك، وتحطيم أكذوبة "الجيش الذي لا يُقهر"، وزلزلة كيان الاحتلال من الداخل وتفكيك بنيته الأمنية والعسكرية والاستخباراتية في ساعات معدودة، ومن ثمَّ استنزافه على مدى أكثر من عامين، لم تعد المنطقة العربية التي يعرفها الجميع، هي نفسها؛ بل تغيَّرت المعادلات، وتبدّلت "قواعد اللعبة"، وما كان يعتقده البعض "ضربًا من الخيال"، أصبح حدثًا عاديًا نشاهده عبر البث المباشر؛ فصواريخ إيران دكّت عُمق تل أبيب، وأرعبت الصهاينة، ودفعت الولايات المتحدة لاستخدام أقوى أسلحتها وحاولت- بكل يأس- تخريب البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، لكنها لم تُحقق أهدافها المنشودة، وبدا المشهد كمن يضرب "قلاع من الرمال" بمطرقة من فولاذ!

الأمر لم يتوقف عند حدود "الضربة الأمريكية"، التي ظنَّ فاعلوها أنَّهم "قضوا" على النووي الإيراني، وأنَّ طهران ستأتي صاغرة إلى المحراب الأمريكي لتقدم فروض الطاعة والولاء. غير أنَّ حقيقة الأمر عكس ذلك تمامًا؛ إذ تمسَّكت الجمهورية الإسلامية بحقوقها المشروعة في تطوير برنامج نووي سلمي، ولم تخضع لأية ابتزازات مارستها قوى الاستعمار الحديث بقيادة دونالد ترامب خاطِف الرؤساء ومُفجِّر الحروب. طهران تحدّت كذلك كافة الضغوط التي تعرضت لها، وكان آخرها إطلاق شرارة الاحتجاجات الداخلية، في مسعى فاشل لتطبيق نظرية "الانهيار من الداخل"، وأظهرت الدولة الإيرانية تماسكًا نادرًا في هكذا أزمات عاصفة. هذه المساعي الخبيثة حاولت استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع الإيراني نتيجةً للعقوبات الغربية الظالمة التي حرمت الأمة الإيرانية من حق العيش وحق الحياة، بهدف تأليب الرأي العام وتحريضه على الفوضى ضد حكومته.

وفي ظل الفشل الذريع لهذه النظرية، لجأت واشنطن- بضغط هائل من مُجرم الحرب بنيامين نتنياهو- إلى التصعيد العسكري؛ إذ حشد ترامب أساطيل عسكرية في المنطقة، وأتى بحاملات الطائرات والمُدمرات لكي تتمركز بالقرب من إيران، لينفخ في بوق الحرب ويدق طبولها، مُتجاهلًا أنَّ أي حرب مع إيران لن تكون نزهةً، ولا مغامرة كاوبوي أمريكية، على غرار العراق أو أفغانستان، التي تكبدت فيها الولايات المتحدة خسائر غير مسبوقة.

الآن ترامب يحشد عسكريًا، استجابة للضغوط التي يفرضها عليه مجرم الحرب نتنياهو، وسط تقديرات تفيد بأنَّ الملفات السرية لقضية رجل الأعمال والمخرج الأمريكي جيفري إبستين، هي ورقة الضغط الأولى، لما قد تحتويه على فضائح ستقضي على ما تبقى من سمعة الرئيس الأمريكي، وربما ينتهي الحال بفضيحة مماثلة لفضيحة "ووتر جيت" ستنتهي باستقالة الرئيس، وربما محاكمته مرة ثانية.

لكن ترامب هو الآخر له أهدافه الخبيثة من وراء هذه الحرب التي يسعى لها، أولها الهروب من مشاكله الداخلية لا سيما ما يتعلق بقضايا الهجرة وعنف الشرطة؛ إذ تشهد عدة ولايات أمريكية مظاهرات احتجاجية مشتعلة. هذا إلى جانب تراجع شعبية الرئيس إلى الحد الأدنى، وتصاعد الأزمات الاقتصادية. أهداف ترامب تتمثل كذلك في رغبته في ترسيخ مكانته كرئيس للعالم، وليس فقط للولايات المُتحدة؛ رئيس يمارس أعمال العصابات ويختطف رؤساء الدول من بيوتهم.. رئيس يسعى لسرقة أراضي الدول الأخرى، مثل جرينلاند، ويمارس أحقر أنواع الابتزاز على كندا لإرغامها على أن تكون الولاية الأمريكية رقم 51.. رئيس يُؤسس لما أسماه "مجلس السلام العالمي" ويفرض رسوم عضوية على الدول بمليار دولار، في مسعى آخر أشد خبثًا لتفكيك الأمم المتحدة، وتنصيب نفسه حاكمًا للعالم!

وعندما يُشعل رئيس أمريكي نيران الحرب، فإنِّه يسعى كذلك لإنعاش الاقتصاد الأمريكي؛ إذ أدمنت الولايات المتحدة الحروب، وترى فيها ملاذًا لتحقيق الأرباح، سواء من خلال تشغيل مجمع الصناعات العسكرية، أو الاستفادة من تقلبات الأسواق كما يحدث هذه الأيام. فقد شهدت البورصات العالمية تذبذبات حادة في أسعار السلع، وخاصة الذهب والفضة، وكذلك في أسعار النفط، والتي تستفيد منها صناديق الاستثمار والمستثمرين الأمريكيين.

واقع الأمر- إذن- أنَّ فرص اندلاع الحرب تظل قائمة، مهما تأخر القرار الأمريكي، والزعم بأن أمريكا ستحرص على أمن "حلفائها" في منطقة الخليج، محض أوهام؛ إذ إنَّ واشنطن لا تكترث بأمن الخليج ولا أمن الطاقة؛ بل ربما تستغل الحرب في قطع إمدادات الطاقة عن غريمتها اللدودة الصين، بينما الولايات المتحدة في المُقابل لديها ما يكفي من مصادر الطاقة، خاصة إذا ما أضفنا إلى مواردها، مئات الآلاف من النفط الفنزويلي الذي أعلنت على الملأ سرقته واستحلاله لنفسها.

ورغم هذه الآفاق القاتمة، إلّا أننا نشعر بالفخر بما تمارسه دبلوماسيتنا العُمانية من جهود مضنية لنزع فتيل الحرب، وإقناع الولايات المتحدة بالعواقب السلبية للغاية على المنطقة والعالم بأسره إذا ما دخلت أمريكا وإيران في مواجهة عسكرية مباشرة، ربما تُنذر بحرب عالمية ثالثة، لا يعلم أحد عاقبتها. والجهود العُمانية المحمودة بجانب الجهود الإقليمية الأخرى من المملكة العربية السعودية ومصر وقطر وتركيا، تظل بارقة الأمل في نهاية النفق المظلم الذي انزلقت إليه المنطقة بسبب العنجهية الأمريكية وغطرسة رئيسها ترامب.

ويبقى القول.. إنَّ طبول الحرب التي يقرعها دونالد ترامب لن تحقق أهدافه الخبيثة، ولن تضمن الاستقرار والأمن للكيان الصهيوني، وإنما ستفتح نيران الجحيم في أنحاء العالم، لا سيما إذا ما تدخلت القوى العظمى مثل الصين وروسيا وغيرهما، ولذلك على عقلاء العالم المشاركة في المساعي الدبلوماسية القائمة حاليًا وعدم سكب الزيت على النَّار، لأنها إذا ما انتشرت ستأتي على الأخضر واليابس، ولن يجدوا لها من دون الله كاشفة، وعلينا أن نصدح بصوتٍ عالٍ: لا للحرب!

الأكثر قراءة

z