خالد بن سالم الغساني
تصريح رئيس وزراء كندا حول تصدّع “النظام الدولي القائم على القواعد” يشكل نقطة انطلاق كاشفة لتحوّل أعمق في وعي الدول، لا سيما تلك التي كانت تُعد جزءًا من نواة هذا النظام وحماته التاريخيين. فالكلام الصادر عن دولة مثل كندا هو تعبير صريح عن إدراك جديد لطبيعة العالم المتشكّل، وعن نهاية مرحلة كانت فيها القواعد تبدو ثابتة، والمرجعيات واضحة، ومراكز القيادة شبه مستقرة.
أهمية هذا التصريح لا تكمن في مضمونه فقط، بل بشكل أكثر وضوحًا تكمن في الجهة التي صدر عنها. كندا، تلك الدولة التي تشكّلت سياساتها الخارجية لعقود طويلة في ظل النظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، واستفادت من استقراره الاقتصادي والأمني، وساهمت في مؤسساته وتحالفاته، حين تعترف بأن النظام لم يعد يعمل كما كان، فهي تعلن بوضوح — وعن خبرة ودراية — أن شروط استمراره قد تآكلت.
إن هذا التحول في وعي الدول لا يخص كندا وحدها، بل يعكس تيارًا متناميًا داخل العالم الغربي نفسه، حيث لم يعد الحديث عن “النظام الدولي” مسألة مسلّم بها، بل موضوع مراجعة وإعادة تعريف.
ويتقاطع هذا الوعي الكندي مع خطاب أوروبي متزايد الوضوح. فرنسا، على سبيل المثال، لم تعد تخفي شكوكها في البنية الأمنية الغربية، وتصرّ على مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية” بوصفه ضرورة لا ترف، وألمانيا، وإن بلغة أكثر تحفظًا، أعادت النظر في افتراضاتها حول الاعتماد الأمني والاقتصادي، وأدركت أن تسييس التجارة والطاقة لم يعد استثناءً؛ بل قاعدة. الاتحاد الأوروبي بدوره يحاول أن يتموضع كفاعل مستقل نسبيًا، لا كمجرد تابع في نظام تُتخذ قراراته خارج حدوده. في هذا السياق، يبدو التصريح الكندي جزءًا من إعادة تموضع أوسع، حيث لم تعد الدول الحليفة تكتفي بدور المنفّذ، بل تطالب بدور الشريك في صياغة القواعد، أو على الأقل في تعديلها.
هذا التحول في وعي الدول الغربية له انعكاسات مباشرة على العالم العربي. فالعالم الذي اعتاد فيه العرب، بدرجات متفاوتة، على التعامل مع نظام دولي ذي مركز واحد أو مرجعية شبه واحدة، يتلاشى تدريجيًا. لم تعد هناك مظلّة واحدة تضمن الاستقرار، ولا وسيط أوحد يحتكر الشرعية الدولية. هذا الواقع يفتح هامشًا للحركة والمناورة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات قاسية. وفي عالم تتراجع فيه القواعد، تصبح القدرة على تعريف المصلحة الوطنية وبنائها هي الفاصل بين الدولة الفاعلة والدولة الساحة.
الدول العربية التي تملك رؤية واضحة، واقتصادًا قابلًا للتكيّف، وقرارًا سياسيًا غير مرتهن، تستطيع أن تستثمر التنافس الدولي لصالحها. أما الدول التي تفتقر إلى ذلك، فستجد نفسها موضع تجاذب بين قوى متعددة، من دون أن تمتلك القدرة على التأثير في مسار الأحداث.
في وسط هذا المشهد الانتقالي، يبرز صعود ما يُعرف بـ"الدول المتوسطة" بوصفها أحد أبرز ملامح المرحلة. والمقصود هنا دول ليست قوى عظمى بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك وزنًا اقتصاديًا أو سياسيًا أو جغرافيًا يسمح لها بلعب أدوار تتجاوز حجمها الظاهري. من بين هذه الدول يمكن الإشارة إلى بعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا، إضافة إلى عدد من دول الخليج، فضلًا عن دول أخرى على تخوم التحول إلى قوة كبرى. هذه الدول تختلف في نظمها السياسية وتحالفاتها، لكنها تشترك في سمة أساسية، تتمثل في المرونة الاستراتيجية والقدرة على التحرك بين المحاور.
صعود هذه الدول لا يعود إلى طموحات أيديولوجية، بل إلى واقع دولي جديد تتراجع فيه قدرة القوى الكبرى على فرض نظام مستقر. الولايات المتحدة تواجه انقسامات داخلية واستنزافًا خارجيًا، والصين قوة اقتصادية هائلة لكنها محاطة بتحديات استراتيجية معقدة، وروسيا تمتلك أدوات القوة الصلبة لكنها تعاني عزلة سياسية واقتصادية. هذا التوازن الهش يخلق فراغات نسبية تملؤها الدول المتوسطة عبر أدوار الوساطة، وبناء الشراكات المتقاطعة، والتحكم في عقد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
العالم اليوم يقف في مرحلة انتقالية مفتوحة؛ حيث لم يعد النظام القديم قادرًا على تنظيم العلاقات الدولية، ولم يتبلور بعد نظام جديد بقواعد واضحة. وما نشهده هو تعدد في مراكز القوة، وتفكك في المرجعيات، وصعود لأشكال صراع أقل مباشرة وأكثر تعقيدًا، من الاقتصاد إلى التكنولوجيا إلى الفضاء السيبراني. في هذا السياق، لا يبدو العالم متجهًا نحو "نظام عالمي جديد" متماسك؛ بل نحو مرحلة طويلة من السيولة وعدم اليقين.
ويمكن قراءة تصريح رئيس الوزراء الكندي كإشارة مبكرة إلى إدراك جماعي آخذ في التشكُّل، يقول من خلاله إن العالم يُغادر مرحلة القواعد المتفق عليها، ويدخل مرحلة المصالح المتحركة، وفي هذا العالم لن يكون النجاح حليف من يرفع الشعارات أو يعتمد على الماضي؛ بل من يفهم لحظة التحول ويعيد تعريف موقعه فيها بواقعية براجماتية، وقدرة على الفعل.
